الرئسيةرأي/ كرونيك

المغزى من ركوب أحرار العالم موج البحر

 

بقلم: الفلسطيني عوض عبدالفتاح

يمثّل أسطول الصمود الساعي إلى كسر الحصار عن غزة، وجهًا آخر للعالم؛ وجهًا لم تمت فيه الإنسانية بعد، رغم الجهد المنهجي الذي تبذله قوى الهيمنة والإجرام لتحطيم ما تبقّى من قيم الرحمة والتكافل.

دافع أخلاقي وإنساني عميق

مئات من أحرار العالم يخاطرون بحياتهم، ويشقّون أمواج البحر نحو واحدة من أخطر البقاع وأكثرها استهدافًا، في مواجهة أكثر الدول توحشًا، دولة استعمارية باتت الإبادة الجماعية إحدى أدوات حكمها.

لا مصلحة شخصية لهؤلاء، ولا مكاسب مادية؛ فقط دافع أخلاقي وإنساني عميق: نجدة الإنسان المهدد بالموت والتجويع والإبادة. والأهمية الرمزية لهذه القوافل أنها تهدف إلى إعلاء صوت الضحية على صوت آلات الحرب والقتل، التي تمضي دون رحمة في تدمير البشر.

كل رحلة من هذه الرحلات تتعرض للترهيب والاعتراض والتنكيل من نظام الأبارتهايد الإبادي، رغم إعلان المشاركين الواضح عن سلمية نضالهم.

وبحسب شهادات مشاركين سابقين، فإن الرحلة نفسها شاقة ومحفوفة بالمخاطر، وسط بحر متقلب ومراكب صغيرة أو متوسطة الحجم. ومع ذلك، تستمر القوافل.

طموح إلى عالم أقل عنفًا خالٍ من الاستعمار والعنصرية والحروب

ويستحق الفلسطينيون في الشتات، الذين يضطلعون بدور مركزي في تنظيم هذه الأساطيل، تقديرًا خاصًا. فهم، إلى جانب حلفائهم، يبذلون وقتهم ومالهم واستقرارهم المهني في سبيل قضية جماعية، في نموذج تكاملي يجمع بين شعب فلسطين وأحرار العالم الطامحين إلى عالم أقل عنفًا، خالٍ من الاستعمار والعنصرية والحروب.

إن مجرد تخيّل الجهد التنظيمي المطلوب لإطلاق رحلة تلو الأخرى يكفي لفهم معنى الالتزام والإصرار، ومعنى الالتزام الأخلاقي.

فهذه المبادرات لا تقوم على التمويل الضخم أو المؤسسات الرسمية، بل على الإرادة والمثابرة والتنظيم التطوعي. إنها تعبير عن نبل إنساني يرفض الاستسلام أمام آلة القتل وموت الإنسان.

وتكتسب هذه الرحلات معنى إضافيًا في لحظة تتكشف فيها ليس فقط وحشية المشروع الصهيوني، بل أيضًا حجم التواطؤ الإقليمي والدولي معه.

أنظمة عربية لا تكتفي بالصمت بل تمنع أي فعل شعبي عربي مؤثر دعمًا لفلسطين

فأنظمة عربية عديدة لا تكتفي بالصمت، بل تمنع أي فعل شعبي عربي مؤثر دعمًا لفلسطين، وتقمع كذلك الاحتجاج على العدوان الإسرائيلي – الأميركي في فلسطين والمنطقة، وتسكت أصوات الضمير وتلاحق أصحابها.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يفعل أحرار العالم؟ بل ماذا نتعلم نحن الفلسطينيين من ذلك؟

في الضفة الغربية، يتقدم المشروع الكولونيالي بوتيرة غير مسبوقة، في سياق محاولة إغلاق الأفق أمام أي مشروع تحرري فلسطيني.

الاستيطان، ومصادرة الأرض، والتطهير الزاحف، وتفكيك المجتمع السياسي، كل ذلك لم يبدأ بعد السابع من  أكتوبر 2023، بل تسارع في ظلّه.

والأشد إيلامًا أن يحدث كل ذلك بينما تنشغل القيادة الفلسطينية الرسمية، وتحديدًا قيادة حركة فتح، بإعادة توزيع الحصص داخل بنية سياسية متآكلة، لا تزال ترى في “التنسيق الأمني” خيارًا استراتيجيًا.

في ظل هذا الفراغ القيادي والقيمي، لا يتواصل المشروع الاستعماري فحسب، بل يترسخ الاعتياد على الهزيمة والعجز.

والخطر الأكبر هنا ليس فقط خسارة الأرض، بل تفريغ الروح الجماعية الفلسطينية، ونزع البعد السياسي عن القضية، لتحل مكانه أجندات إنسانية وإدارية ضيقة.

يصبح الفلسطيني مجرد “مجتمع أزمة”، لا شعبًا يخوض صراع تحرر.

أما داخل الخط الأخضر، فتتخذ الأزمة شكلًا آخر. فالجريمة المنظمة لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية، بل باتت جزءًا من بنية السيطرة الاستعمارية، ومدخلًا لفهم شكل من أشكال الإبادة الاجتماعية.

يستمر حمام الدم، ويتآكل الشعور بالأمان، فيما يزداد الغضب الشعبي من عجز القيادات السياسية والأهلية عن بناء ضغط فعلي على نظام الأبارتهايد لإنهاء رعايته المباشرة أو غير المباشرة لعصابات الإجرام.

لكن المأزق هنا مزدوج: عجز القيادات عن الابتكار، وضعف الاستعداد الشعبي لخوض نضال طويل النفس ومكلف.

وهنا تحديدًا يكمن الدرس الذي يقدمه أسطول الصمود.

فالنضال المؤثر لا يقوم على ردود فعل موسمية أو انفجارات غضب قصيرة، بل على المثابرة والتنظيم والتراكم. النشطاء الذين يركبون البحر يعرفون أنهم قد يفشلون في الوصول، ومع ذلك يعاودون المحاولة. الحراكات الغربية المتضامنة مع فلسطين تعتمد الاعتصامات الطويلة، والضغط المتواصل، وإرباك الحياة الطبيعية للمؤسسات المتواطئة.

متى وكيف يتحول هذا التفكير المتداول إلى ممارسة عملية؟

لماذا يتأخر تبنّي أو تطبيق برنامج نضال شعبي طويل الأمد في الضفة والداخل؟ اعتصامات مفتوحة أمام مراكز حكومية، وإغلاقات رمزية ومتكررة لمفارق مركزية، وحملات مقاطعة اقتصادية داخلية، ولجان حماية شعبية للقرى المستهدفة استيطانيًا، وأطر أهلية دائمة لمواجهة الجريمة المنظمة؟ هناك حاجة لتدريب النفس على التحمل والنفس الطويل عبر آليات جديدة، وهذا كله لن يتم من دون مراجعة الذات والعمل على تحرير الذهنية من حالة الاسترخاء وآفة الفردانية.

ولماذا لا يُعاد إحياء أدوات العصيان المدني التدريجي؟ ليس كشعار رومانسي، بل كخطة عمل: أيام احتجاج متواصلة، وتعطيل منظم، ورفض للتطبيع مع واقع القمع، وتوسيع دوائر المبادرة المحلية بعيدًا عن انتظار القرار الرسمي.

وجود أفق وتنظيم وقيادة تؤمن بالفعل التراكمي

ثمة من سيقول إن الناس مرهقة وخائفة. هذا صحيح. لكن هل شعوب الغرب أقل تعبًا وانشغالًا منا؟ وهل النشطاء الذين يبحرون نحو غزة يملكون ظروفًا أفضل؟ الفرق الأساسي ليس في القدرة على التضحية، بل في وجود أفق، وتنظيم، وقيادة تؤمن بالفعل التراكمي.

لا توجد وصفة سحرية. لكن ما يبدو مؤكدًا أن استمرار الاعتياد على الدم، سواء في الضفة أو الداخل، أخطر من المخاطرة بالفعل الجماعي. السؤال لم يعد إن كانت المقاومة الشعبية ممكنة، بل: هل يمكننا الاستمرار من دونها؟

آن الأوان لاستعادة الإرادة لطرح المقاومة الشعبية، وشروطها، وأدواتها، بصورة منهجية وجدية. لا كبديل عن المشروع الوطني، بل كرافعة لإعادة بنائه، واستعادة الثقة الجماعية، وكسر الإحساس القاتل بالعجز. فأسطول الصمود لا يحمل مساعدات فقط؛ إنه يحمل درسًا سياسيًا وأخلاقيًا: الشعوب التي ترفض الاستسلام تبتكر أدواتها، حتى حين يبدو البحر مغلقًا.

المصدر: عرب 48

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى