مجتمع

اللغة و الهوية: هكذا تكلم المهدي بن بركة عن اللغة و التعليم بالمغرب (الحلقة 6)

محمد المباركي/ فرنسا

إثر صدور الجزء الخامس من البحث بشأن ” اللغة و الهوية”، دار بيني و بين صديق حميم حوار جاد حول إسهامات المهدي بن بركة في الموضوع.

و الصديق من أهم المتمكنين من فكر و سيرة القائد الوطني و الجادين منذ اختطافه و استشهاده على إظهار الحقيقة، كان يلوح بخاطري معرفة موقف المهدي حول الموضوع من خلال المحاضرات العديدة، التي ألقاها أمام الجمع المكثف للطلبة المغاربة الموجودين في المؤتمر الثالث للاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في 25 يوليوز 1958 بتطوان، تلك الدروس التي خصت مجموع القضايا التي كانت تؤطر لتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، و من ضمنها المسألة الأساسية المجسدة في التعليم كوسيلة لاستكمال التحرير و مد جسور النهضة الوطنية.

لكن الصديق المطلع ذكرني أن هناك مداخلة هامة للمهدي خصصها لمسألة اللغة و التعليم كحجرة الزاوية في التحرير من التبعية بكل أنواعها و مجابهة التحديات المجتمعية، و فتح الطريق الفعلي نحو التقدم و النمو، كانت المداخلة في ندوة فكرية أقيمت بتمليلين قرب مدينة أزرو حضرها مجموعة من العلماء و الشخصيات المؤثرة في ميدان العلم و السياسة أنداك، من بينها الشيخ محمد بلعربي العلوي و الوي ماسنيون و عبد الكريم بنجلون و زير التعليم و غيرهم من الشخصيات و ذلك في شهر غشت  1957.

بعد شكر الأب دوني رئيس المركز و اعتذاره للعلماء الحاضرين كونه لن يأتيهم ببحث عام و شامل حول الموضوع المطروح للنقاش، بقدر ما سيعطي لمحة موجزة عن اهتمامات الفاعلين السياسيين في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب، الذي أحرز لحينه استقلاله السياسي و حيث المسؤولين على قدم و ساق لوضع البرامج الناجعة للنهوض بالتعليم كونه الحلقة المركزية لكل تحرر و نمو مؤكدا أن أول جامعة مغربية ستؤسس نهاية السنة، شهر نونبر 1957 .

ركز القائد الوطني في عرضه على ثلاث مداخل أساسية لإثبات التقدم و الديمقراطية بالبلاد.

– المدخل الأول : الإرث التاريخي

لقد شكلت الجامعات المغربية إلى حدود القرن الخامس عشر منارة للمعرفة و الفكر، كان يعمها طلاب العلم من مختلف بلدان أوروبا.، و هكذا شكل المغرب (و طبعا الأندلس ضمنه، هذا توضيح من عندنا) قنطرة عبور المعرفة من الشرق الى الغرب مع إضافات اجتهادات علمائنا و مفكرينا، لكن ابتداء من القرن السادس عشر سيجد المغرب نفسه محاصرا من قبل كل جانب، الإسبان و البرتغال و غيرهم من دول أوروبا من ناحية الشمال و الغرب عبر المحيط لاحتلال المدن و المرافئ الشاطئية، في الحدود الشرقية مهاجمة الأتراك ثم الفرنسيين بعد احتلالهم الجزائر، و لم يبق من منفذ خارجي سوى تخوم و فيافي الصحراء جنوبا، حيث أهلها في تأخر مقفع.

خلال هذه المرحلة انطفأت شمعة العلم و المعرفة عندنا، حيث عوض خلالها العلماء أقلامهم بالسيوف دفاعا عن حوزة البلاد. لخص المهدي هذه المرحلة التاريخية التي انتهت باحتلال المغرب، أن العامل الحاسم فيها سببه سيادة الجهل و عواقبه الوخيمة من استبداد و تشتت أدى لاحتلال البلاد. هذا لما انطفئ نور العلم و منافعة العظيمة.

المدخل الثاني : تعميم التعليم و علمنته و صيانة اللغة الأم و أهمية التفتح على اللغات

بوعيه الثاقب العملي و الحي لم يغلق المهدي الباب أمام أي اجتهاد بعد أن حدد الثوابت المرجعية للهوية الوطنية التي لا يمكنها سوى أن تكون ديمقراطية و ذلك بعلمنة مناهج التعليم باللغة العربية، لتصبح في مستوى المناهج الفرنسية الحديثة، مع التفتح على باقي اللغات، لم ينهج المهدي موقفا أحادي الجانب بل ترك الباب مفتوحا لأن المضمون عنده هو الأهم و ولوج المجتمع المتقدم و المتحرر هو الأساس.

1 – بشأن اللغة العربية

ذكر المهدي في مداخلته، أن أول عمل قام به الوطنيون الأوائل خلال عشرينات و ثلاثينات القرن الفائت، أيام الحماية، هو بالضبط إنشاء مدارس حرة تدرس باللغة العربية كلغة جامعة لمجموع المغاربة، مع تحسين وعلمنة مناهجها، كون المدارس الحرة لعبت دورا مهما في تعليم الناشئة من أبناء الشعب عبر التحلي بمعرفة متقدمة عما كانت تقدمه المعاهد التقليدية.

كانت مهمة المدارس الحرة تكوين الناشئة على العلوم الحية مع الحفاظ بالهوية الوطنية التي حاول المستعمر استلابها كما يظهر ذلك جليا عبر الظهير البربري التقسيمي المشؤوم الذكر..

علمنة اللغة العربية و التفتح على اللغات الحية

المهدي لا يتعصب للغة العربية بل يراها مرجعا ضروريا للحفاظ على الهوية الجامعة للمغاربة باختلاف ثقافاتهم المحلية، لكنه يرى من جانب آخر، ضرورة تطوير مناهج التعليم في المعاهد التقليدية كجامعة القرويين بفاس و مدرسة ابن يوسف بمراكش، أو التي بتطوان و سلا و غيرها من المعاهد الموجودة في المغرب.

بالفعل كان هناك اجتهاد ملحوظ في تطوير المعاهد التقليدية لجعلها تواكب المعاهد التي تدرس بالفرنسية غداة الاستقلال، و بخصوص هذه الأخيرة كان موقف المهدي ضرورة وضع حصص بالعربية تدرس فيها، زيادة عن تعلم اللغة العربية عبر إدراك القواعد الأساسية للمواطنة بما سمي بالتربية الوطنية، هذا حتى يتم تكوين الأجيال الصاعدة بمواطنتهم، و أن لهم حقوق و واجبات.

تعميم التعليم

كانت قضية تعميم التعليم و مجانيته أم القضايا بعد استقلال البلاد التي تشبث بها المهدي، و كان ذلك هو الشعار المركزي سواء للاتحاد الوطني لطلبة الغرب أو التعاضديات و النقابة الوطنية للتلاميذ أو الأحزاب و التنظيمات التقدمية، ونحن نعرف الدور الهام الذي لعبه المهدي في تأطير الشبيبة المدرسية و في تأسيس أهم حزب يساري بالمغرب.

المدخل الثالث: محاربة الأمية لمحاربة الجهل و عواقبه الوخيمة

إلى جانب إنشاء المدارس الحرة عملت الحركة الوطنية بشكل سري أثناء الحماية على محاربة الأمية في الأحياء الشعبية خاصة، و لقد تعممت محاربة الأمية غداة الاستقلال بشكل واسع لأن نسبة الأمية بين عموم الشعب كانت تقدر ب 80 في المائة، كان يرى المهدي أن النخبة لوحدها عاجزة عن دفع قطار التحرر والتقدم و الديمقراطية في غياب الوعي لدى الجماهير الشعبية، و منه كان الشعار السائد خلال خمسينات و ستينات القرن الفائت: العلم نور و الجهل عار.

و لهذا الغرض أي توعية الجماهير الشعبية من رجال و نساء عبر محاربة الأمية تم إنشاء مجلة ” نهار المغرب”، بداية الخمسينات و كانت المجلة الوحيدة المسلوكة حتى يسهل قراءتها و التي كانت توزع بشكل واسع.

هذه بعض أفكار الشهيد بن بركة حول تطوير المناهج الدراسية و تعميم التعليم و محاربة الأمية، كلها أهداف من أجل الوعي بالهوية الوطنية كمدخل للتحرير و الديمقراطية، و طبعا، قبل أن أختم هذه الكلمة أجدد شكري الجزيل للصديق الحميم الذي، تواضعا منه، لم يرد ذكر اسمه و الذي أفادني بما ذكرته و لم أرى بدا واجب تعميم الفائدة في هذا التلخيص..

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى