رأي/ كرونيك

علال الأزهر يكتب: حول تأسيس حزب سياسي جديد

هل مازالت هناك اية جدوى في اثارة النقاش من جديد حول الموضوع ، أي تأسيس حزب سياسي جديد ، وفي هذه الظروف على الخصوص التي تهيمن على المزاج الشعبي وتضاعف من احتقاره المبرر للأحزاب السياسية ” يمينا ” ويسارا الا من رحم ربك قليلا ؟ وحتى نكون على بينة من امرنا لابد من ابداء وجهة نظر حول طبيعة ومآل هذه الحركة التي فجرها الشعب المغربي في مواجهة شركات رأسمالية تجني أرباحا طائلة على حساب قوت المواطنين المغاربة ودون ان تسخر تلك الأرباح ، اوجزءا منها على الاقل، لتطوير الاقتصاد الوطني الذي ” تغير” عليه حكومتنا غير الموقرة .
فهذه الحركات العفوية او شبه … ستنفجر على الدوام وبين الحين والأخر في نظام سياسي واقتصادي كالنظام المغربي لا يهتم بتعبئة كل الوارد الاقتصادية الوطنية لتحقيق اقلاع اقتصادي تكنولوجي متقدم ينافس في مجال صناعي معين على الصعيد الدولي وقد يبرر ذلك ان تتحمل الطبقات الكادحة والفقيرة ضنك العيش من اجل مستقبل متقدم ومضمون . ولكنه يحافظ على وجوده كما هو عن طريق اطلاق العنان لطبقة برجوازية هجينة تراكم الأرباح وتهربها الى الخارج وتساهم بحماس في افساد الحياة السياسية .. الخ ويهلل ببهرجة دعائية للصناعات التركيبية . والتدشينات التي تتبخر في الهواء .
ورغم ان هذه الحركات استطاعت ان تكشف عن الخصاص المزمن في تحسين أوضاع التعليم والصحة وتدني الحياة المعاشية وباختصار فضحت تلاعب الدولة والحكومة بمصالح المواطنين . ولكنها في النهاية ، للأسف الشديد ، لا تؤدي الى النتائج المبتغاة الا في حدود ضيقة وحتى هذه النتائج لا تصمد طويلا لأنها لا نؤدي الى احداث تغيير في طبيعة العلاقات السياسية بين الحاكمين والمحكومين ، وتجربة ما سمي بالربيع العربي خير دليل على هذه الحقيقة ، بل قد أدت تلك الحركات العفوية الى خلق أوضاع مأساوية في كثير من الدول العربية مثل ليبيا وسوريا واليمن وحتى تونس التي تكافح من اجل صيانة انتقال ديمقراطي متقدم نسبيا فقد تمكن نداء تونس الحزب الذي احرز على الأغلبية بقيادة السبسي من تصدر المشهد السياسي والذي يعتبر من رموز النظام السابق منذ الحبيب بورقيبة .
ولكن هذه الحركات العفوية ستظل ضمير المواطن المقهور الذي ينتفض ضد الأوضاع المزرية التي يعيشها ، غير ان ذلك لا يعني الاستغناء عن ضرورة وجود الأحزاب السياسية لأنها تعتبر نتاج تطور بشري لتنظيم السلطة السياسية ديمقراطيا في أي بلد في العصر الحديث والمنافسة على تحقيق البرامج لمدة زمنية محددة . وهذه الخطاطة النظرية لا تنطبق اليوم على واقع الأحزاب المغرية المتكلسة داخل حكومة لا حول لها ولا قوة انها مجرد كر اكيز يحركها المخزن من بعيد . وهذا الواقع أيضا يجعل أي حديث عن انشاء حزب جديد في نظر المواطنين مجرد عبث لا طائل من ورائه ، وفي اتجاه ” مضاد ” للتطور ولاسيما ان قدرته على التأثير في الوضع السياسي ستكون ضعيفة ان لم تكن منعدمة . ولكن رغم كل ذلك هل يتمكن الذين يهمهم الامر ان يؤسسوا حزبا جديدا ؟
لنطرح السؤال التالي : هل تأسس اي حزب جديد في التجربة المغربية بهذا المعنى المقصود بالتحديد هنا ؟ ليسمح لي الذين يهمهم الامر وغيرهم أيضا ان استعرض مسار التجربة المغربية في تأسيس حزب جديد ومحاولة استخلاص بعض القوانين التي تحكمت في صيرورة هذه الأحزاب . كان اول حزب مغربي تأسس في البلاد عام 1936 كتلة العمل الوطني الذي نحث اسمه الزعيم بلحسن الوزاني ويعتبره معظم الباحثين مجرد زاوية سياسية ويعتبره الوزاني نفسه مجرد ” حركة لا حزبا ولا منظمة ” وان قيادتها كانت ” مجرد واجهة لخلية سرية هي المسماة بالزاوية ” .ثم حدث اول انشقاق سنة 1937 ليؤسس الوزاني الحركة القومية في نفس السنة بعد انتخاب علال الفاسي لقيادة كتلة العمل الوطني التي ستمنعها الإقامة الفرنسية ليتأسس حزب الاستقلال مع وثيقة الاستقلال . ثم سينشق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال [ تفاصيل هذه الوقائع في كتاب ” الاتحاد الاشتراكي من الاختيار الثوري الى الاختيار الديمقراطي : علال الازهر ” . ثم بعد ذلك ستتناسل الانشقاقات عن الاتحاد حركة 23 مارس سنة 1970 حزب الطليعة ثم المؤتمر الاتحادي الذي سينشق عنه الحزب الاشتراكي . ثم حزب بنعتيق .وفي سلسلة أخرى من الانشقاقات انشقت الى الامام عن حزب التحرر والاشتراكية والحزب الاشتراكي الديمقراطي عن منظمة العمل ..الخ . ماذا نستنتج من هذه الصيرورة الحزبية ؟ ان الأحزاب الوطنية وخصوصا اليسارية التي ” تأسست ” منذ بداية التجربة الحزبية كانت نتيجة انشقاقات عن الحزب الام ، والسبب اختلاف في طبيعة الموقف من النظام القائم والانفراد بالأحقية في تمثيل مطامح الجماهير .
في حين عرفت الأحزاب الموالية للنظام مسارا مختلفا ونوعا من الاستقرار لأنها كانت من صناعة النظام السياسي القائم . فقد تأسست الحركة الشعبية لمواجهة حزب الاستقلال ثم تشكلت جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي كان سيرأسها الحسن الثاني ولكن تفاديا لعدم توريط الملكية في الصراع الحزبي أوكلت المهمة الى كديرة . بعد اسقاط البرلمان الأول نتيجة لاحاث 23 مارس 1965 . واسقاط برلمان 1970 بعد انقلاب الصخيرات وانقلاب افقير ، ثم فشل مفاوضات الملك مع أحزاب الكتلة الوطنية :
وعد الملك الأحزاب الديمقراطية بعد ان قرر استرجاع الصحراء بانفتاح سياسي واجراء انتخابات جماعية وبرلمانية ، وتطلب ذلك بالضرورة وجود أحزاب للمشاركة في الانتخابات فقرر النظام ترشيح افراد احرار مثل المحايدين في انتخابات 1970 . ثم انشأ بهم حزبا مواليا سماه بنفس الاسم ” التجمع الوطني للأحرار ” . وافق النظام عل انشقاق أرسلان الجديدي عن الاحرار و” تأسيس ” الحزب الوطني الديمقراطي 1981 كما انشق الكوهن عن الاحرار و” أسس ” حزب الإصلاح والتنمية . واسس النظام حزبا جديدا سنة 1983 هو الاتحاد الدستوري بقيادة الوزير الأول السابق المعطي بوعبيد ليحصل مباشرة على الأغلبية في برلمان 1984 . في سنة 1986 عاقب النظام احرضان بإزاحته من قيادة الحركة لانه تجرأ ورفض تعيين وزراء من حزبه خارج ارادته . ثم امر بتوحيد الحركة من جديد سنة 2006 .
بعد أنشاء الكتلة الديمقراطية من الاحزاب اليسارية والديمقراطية 1992 ثم الاتفاق على المرشح المشترك وفي نفس الوقت بدأ الحسن الثاني يفكر في توفير شروط احسن لانتقال للعرش بإجماع ودون معارضة . فالحزب الذي كان يهدد الملكية اعترف بسلطتها التنفيذية منذ المؤتمر الرابع سنة 1984 . سيعدل الملك الدستور مرتين لعل ذلك يرضي أحزاب المعارضة وتقبل بالمشاركة في الحكومة . نجح الملك في اقناع الاتحاد الاشتراكي بالمشاركة في الحكومة . ومرت مرحلة من 1998 الى 2011 بإبقاء الوضع الحزبي على ما هو عليه ودشن محمد السادس عهده بعيين جطو رئيسا للحكومة خارج عما سمي بالمنهجية الديمقراطية مما أدى الى تآكل أحزاب اليسار وإبقاء الأحزاب الموالية كما هي . بعد حركة 20 فبراير العفوية والتي شاركت فيها بعض الأحزاب اليسارية والإسلامية الممنوعة ، اضطر الملك الى تعديل الدستور ودسترة المنهجية الديمقراطية وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها منحت حزب العدالة والتنمية الأغلبية في البرلمان لأول مرة كحزب يقول عن نفسه انه ذو مرجعية إسلامية [ وهو نتاج زواج إسلامي بين حزب الخطيب والإسلاميين المعتدلين ] . ولأول مرة بفضل ” الربيع ” العربي يحتل حزب مغربي ليس من صنع النظام ” كليا ” وليس يساريا ويلهث في التعبير عن ولائه للملكية ، ولكنه ينافسها في المرجعية الدينية مما اربك النظام السياسي في تعامله مع الوضع الحزبي الجديد . كما انه فشل هذه المرة في الإطاحة بحزب العدالة والتنمية رغم تبنيه لحزب الاصالة والمعاصرة . بل استطاع العدالة والتنمية ان يفوز بنسبة مقاعد اكبر من الولاية البرلمانية السابقة مرة ثانية وبقية القصة معروفة .
اذن خلاصة هذا الجرد ان أحزاب اليسار تأسست عي طريق الانشقاقات المتواصلة بدعوى تصحيح الخط السياسي واحيانا ومواصلة الانتماء للجذر التاريخي حزب الطليعة واغلبية اللجنة الإدارية الاتحادية في البداية المؤتمر السادس للاتحاد والمؤتمر الاتحادي المنشق .. وأحزاب النظام تتأسس وفق مصلحته . وبناء على هذه الخلاصة فلم يتأسس حزب يساري مغربي مستقلا سياسيا عن النظام ودون ان ينشق عن حزب آخر وان كان سيضم افراد مارسوا السياسة داخل تنظيمات من قبل وهم يعانون اليوم من بطالة . ولكن طبيعة تأسيس حزب جديد كهذا منذ البداية لا تعطيه افضلية دون صعوبات . بل ان الوضع الجديد قد يضاعف من صعوبات التأسيس وخصوصا في الظروف الراهنة حيث الأحزاب السياسية قد فقدت حظوتها لدى المواطنين .
وهنا لا املك سوى طرح بعض الأسئلة :
– كيف يمكن ربط التأسيس بادوات التواصل الاجتماعي ؟
– ماهي الأساليب الدعائية والثقافية التي ستجذب الشباب أساسا الى الحزب الجديد ؟
هل يمكن ان يقتصر كل النشاط الحزبي على وسائل التواصل الاجتماعي ؟

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى