هل يمكن أن يكون المستبدّ تنويرياً؟

0

رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية

الاستبداد المستنير،  مصطلح بزغ للمرة الأولى تزامناً مع عصر التنوير  الأوربي وفلاسفته، في القرنين الثامن والتاسع عشر، بهدف نشر ثقافة وقيم التنوير من أعلى هرم السلطة، إبان نمط حكم ثيوقراطي ديني مارسته الكنيسة في هذه الآونة، قبل انفصالها تشريعياً عن أنظمة الحكم في وقت لاحق.

فقام بعض ملوك أوروبا الحداثيين بفرض التنوير بهدف إصلاح المجتمع  والخروج من دائرته الدوغمائية، إبان حروب كبّدت أوروبا كثيراً من الدماء باسم السماء.

الملكيات الأوروبية في التاريخ المعاصر إما سقطت فتحولت إلى جمهورية على غرار فرنسا أو استمرت شكلياً أي أضحت مَلَكيات تملك ولا تحكم، مثل بريطانيا فلم يعد الملك يمثّل ظلّ الله على الأرض تشريعياً وأضحت التشريعات تلك، في كلّ من الجمهوريات والملكيات، علمانية الطابع

فأصبحت علاقة الملكيات القائمة في أوروبا بالكنيسة علاقة رمزية؛ أي افتقدت قدرتها على التشريع باسم السماء، وربما أكبر الأمثلة الواضحة على ذلك، من المنظور الاجتماعي  تحديداً، هو إقرار الطلاق المدني في تلك البلاد، من دون وضع اشتراطات بتغيير الملّة أو عدا ذلك من الأساليب المواربة، فأصبح الطلاق مدنياً خالصاً.

وهو الأمر الذي ناهضته الكنيسة الغربية  والسلطة الحاكمة المقترنة بها طوال قرون، استناداً للنصوص الإنجيلية التي لا تسمح بالطلاق إلا لعلة الزنا، بينما أصبح الطلاق في تلك البلاد، في التشريعات المعاصرة، قائماً على رغبة أحد أطراف الزيجة بإنهائها، تحت بند “خلافات غير قابلة للإصلاح”؛ حيث رأت تلك البلاد أنّ النصّ المقدس قد يدخل المجتمع في حالة ماضوية لا تناسب الأوضاع المجتمعية في العصر الحديث.

هل أسس فلاسفة عصر التنوير للاستبداد المستنير؟

ظهر في الإطار ذاته مصطلح موازٍ؛ ألا وهو “الحكم المطلق المستنير، أو “الاستبداد الخيّر”، وتؤسّس هذه المصطلحات لشرعنة الحكم المطلق، لما فيه من خير وصلاح للرعية، وهو ما أورده الفيلسوف الإنجليزي، جون ستيوارت ميل، في كتابه “عن الحرية، العام 1851، وفيه قال إنّ الحكم المطلق المستنير ضروري لمواجهة الأفعال البربرية بفعل الجماهير.
أما الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694- 1778)؛ فتراءى له أنّ الملكية التي يحكمها ملك مستنير، يؤمن بالتسامح والحريات العقائدية، والتحرر من السلطة الثيوقراطية؛ هي السبيل الوحيد لتطوير المجتمع ليولي وجهه شطر الحضارة الإنسانية، ويفصل ما هو أرضي عما هو سماوي، ليترك  العقيدة رهن الممارسة الشخصية، لا رهن التشريعات المدنية في المجال العام.

وقد تبنّى الإمبراطور النمساوي، جوزيف الثاني، هذه النظرية العام 1765، ووضعها محلّ التطبيق، حين قال: “كلّ شيء من أجل الرعية، ولا شيء بأيديهم”؛ أي إنّ الحكم المطلق المستنير هدفه تحسين أحوال الجماهير، لكن لن تتم مشاورتهم في الحكم، كما تبنّاها الإمبراطور فريدريك الثاني، حاكم بروسيا، العام 1740، والملكة كاثرين الثانية في روسيا، التي تقلدت مقاليد الإمبراطورية العام 1762، وشملت إصلاحاتها النظام التعليمي إلا أنّ حكمها اتسم بتوزيع المميزات على فئة من النبلاء.

لكنّ النقلة النوعية الحقيقية في أوروبا استندت إلى تأسيس دساتير العقد الاجتماعي التي جعلت من العلمانية وفصل الدين عن التشريع ركناً أساسياً لحماية المجتمع من التسلط الديني الذي مارسته الكنيسة أو الجماهير التوّاقة لفرض أحكام السماء على غيرها من البشر وهي النقلة التي أسست لمفهوم “المواطنة” على أساس الحقوق الأساسية لا على أساس الانتماء العقائدي 

العلاقة بين الحكم المطلق والسلطة الأبوية 

لكن ليس بالضرورة أن يكون الاستبداد مقترناً بفرض التنوير؛ فكلمة، من الناحية اللغوية؛ تعني الانفراد بالقرار في رأي يتطلب المشورة، أما أصلها اليونان ؛ فقد يعني التفرد الأرعن، وليس بالضرورة أن يكون المنفرد بالقرار مستنيراً.

والمثير للانتباه؛ أنّ أصل الكلمة يعني: تفرّد ربّ الأسرة بالقرار، قبل أن ينطلق المصطلح لدائرة السياسة  وأنظمة الحكم.
ولهذا؛ فإنّ أكثر أنظمة الحكم استبداداً قد تُصوّر الملك، أو الرئيس؛ بأنّه ربّ البلاد وشعبها، فظهرت مصطلحات على شاكلة “الرئيس الأب”، وقد تحمل الفكرة تصوراً إيجابياً لدى البعض، لكنّها تلغي فكرة دولة المؤسسات، وينحصر كلّ قرار مصيري في شخص الرئيس أو “الملك الأب”، الذي تنتظر المؤسسات توجيهاته، وقد يتطور الأمر لطلب الحاكم الأب أن تنصاع إليه الجماهير من (أبناء الشعب) فلا يستمعون لأحد سواه، تماماً كما يطيع الابن البار أباه، وإلا أصبح عاقاً.

أما الاستبداد في القاموس العربي؛ فهو الحزم وعدم التردّد في اتخاذ القرار وتنفيذه، والاستبداد، بحسب الموروثات العربية، اقترن كذلك بالقوة العادلة، وهو ما جاء في بيت شعري يتردّد كثيراً في ثقافة الشعوب العربية، وهو بيت لعمر بن أبي ربيعة (المتوفَّى 93هـ)؛ حين قال: “وإنّمــا العاجز مــن لا يسـتبدّ”، إلا أنّ النصّ الأصلي تمّ تفريغه من سياقه، فأصبح العجز مرادفاً للمشورة والتخبّط، بينما أصبح الاستبداد مرادفاً للقوة وحكمة القائد الأب، وهذه التعريفات جعلت من الاستبداد شيئاً حسناً ومستساغاً، حتى إن تحوّل المستبد إلى طاغية، ولاقت هذه الفلسفة  في الوعي الجمعي استحساناً أدّى لدفاع الجماهير عن الطغاة ضدّ غيرهم من المواطنين.

فالفرضية القائمة على أساس أنّ سيكولوجية الجماهير فاشية بينما الحاكم هو المستنير، ما هي إلا تعميم وتصوّر غير دقيق؛ فالحاكم قد يكون مستبداً رافضاً للحقوق الأساسية التي تشكّل أساس المواطنة، ومن ثمّ يقوم بالاستعانة بسيكولوجية الجماهير الرافضة للحقوق ذاتها، وذلك ليطوّعها ضدّ هؤلاء المواطنين الذين يطالبون بها، وهنا يستند الطبيب والمؤرّخ الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، الصادر عام 1895، لنظرية أسماها “الانفعالات التحريضية للجمهور”.

نظرية الاستبداد المستنير في فلسفة الفارابي 

التخوّف من دوغمائية الشعوب والبحث عن خلاص في صورة حاكم مستنير فكرة قام بصياغتها الفيلسوف العربي أبو نصر الفارابي (870-950م)، في كتابه “مبادئ آراء المدينة الفاضلة” والمدينة الفاضلة هي في تضادّ مع مدينة التغلب أي مدينة الاستبداد

يرى الفارابي؛ أنّ المدينة الفاضلة التي تلفظ الاستبداد الجماهيري هي تلك التي تصل للسعادة، إن سار مواطنوها على نهج رئيسهم، ويشبّه الفارابي المدينة الفاضلة بالجسد السليم، والرئيس في نظر الفارابي؛ لا بدّ من أن يكون أتمّ أعضاء الجسد؛ لأنّه إنسان كامل تحققت فيه الإنسانية؛ أي إنّ الفارابي لم يرّوج لنظرية المستبدّ المستنير بشكل تام؛ بل قامت نظريته على فلسفة الرئيس الخيّر، وهو مجال فضفاض لإقرار ما هو الخير، وما هو العدل، لكنّ أهم ما جاء في كتاب الفارابي؛ هو تحذيره ممن يحثون على الصلاة والعبادة، وترك خيرات الدنيا من أجل الآخرة، وعدّ ذلك مكيدة للحصول والسطو على خيرات الآخرين في الحياة الدنيا.
لكنّ تطبيق نظرية الفارابي تستند إلى مدينة فاضلة يمحو فيها الحاكم المطلق الخيّر العادل كلّ أشكال الاستبداد الجماهيري، لكنّ الواقع لا يفترض وجود مدينة فاضلة كتلك؛ فالجرائم العنصرية  مثلاً  قد تقع  في أعتى الديمقراطيات، وفي أكثر البلاد احتراماً للإنسان، لكنّ الفيصل لا يكمن رهن إشارة المستبد المستنير، وإنما هو رهن دساتير نظمت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ونصّت على حقوق أساسية، وقامت بتنحية الدور التشريعي للأديان؛ كونها سلاحاً في يد المستبد، سواء كان حاكماً أم محكوماً، تتراءى له ممارسة دور التقية على غيره من المواطنين.

الاستبداد وعلاقته بالمقدّس في فكر الكواكبي 

أما المفكر عبد الرحمن الكواكبي، فيقول في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، الصادر العام 1902: إنّه “ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقاماً ذا علاقة بالله”؛ أي إنّ الحاكم المستبد قد يحاجج الرعية ويحاسبهم، حتى إن لم يكن هذا الحاكم مرتدياً للعمامة، كما يقول الكواكبي: “العوام هم قوَّة المستبد، بهم يصول ويطول”.

تفتح نظرية الكواكبي مجالاً في وقتنا المعاصر للتفكير في أزمة الاستفتاء على تطبيق الشريعة أو الاستفتاء على تطبيق الحدود؛ فالحاكم أو السلطة التي تدعو لذلك، تقوم بتطويع الاستبداد والغلبة الجماهيرية، ليشرعنوا نظرية الديمقراطية القائمة على أنّ الشعب اختار حكم الشريعة، من دون الانتباه إلى أنّ هذه التشريعات (مثل الحدود)، ظهرت في شبه الجزيرة العربية قبل نشأة السجون والتشريع العقابي المدني.

كما أنّ السلطة التي تستفتي الشعوب على الحقوق  الأساسية عادة ما تستند إلى الاستبداد الجماهيري الرافض للحقوق وبذلك تعطي السلطة ذاتها مبرراً لعدم إقرار تلك الحقوق

نذكر مثلاً؛ أنّ بعض القوى الأصولية في بعض البلاد العربية دعت إلى عقد الاستفتاء على عمل المرأة، أو ختان الإناث من عدمه، وعدّت تلك التيارات رفض الاستفتاءات بمثابة الاستبداد التنويري، رغم أنّ القاعدة هي “لا استفتاء على حقوق أساسية”، لكن في عُرف الأصولية الدينية، يعدّ المنع من ممارسة الاستبداد في مقام الاستبداد.

المستبد المستنير والتيارات الأصولية

بحسب ما أوردناه سابقاً؛ عدّ بعض المثقفين العرب المعاصرين أنّ المستبد المستنير هو نموذج الحاكم الذي يواجه تيارات الأصولية الدينية، إلا أنّ فكرة التنوير، في حدّ ذاتها، أكثر شمولاً من مجرد مواجهة تنظيمات أصولية دينية؛ فهناك أصولية سلطوية راسخة بالمؤسسات، والمثير للانتباه مثلاً؛ أنّ معظم البلاد العربية التي تدّعي الحكم المستبد المستنير في مواجهة  الأصولية والجماعات الدينية الإسلامية، تتضمن قوانينها عقوبات على مواد تفتش في عقائد المواطنين تحت مسمى ازدراء الأديان، رغم أنّ الخطابات الرسمية دوماً تؤكد على حرية العقيدة، كما أنّ معظم تلك البلاد ما تزال تستمد تشريعاتها في الأحوال الشخصية من الشريعة، بما فيها محاكمات النشوز والطاعة للنساء.

قد يكون المستبد الذي يطلق عليه مستنيراً، حائلاً منيعاً ضدّ صعود جماعات الإسلام السياسي، لكنّ استيراد فلسفة الاستبداد المستنير من أوروبا، فاقدة لأركانها في معظم البلاد العربية؛ فالسلطة لم تواجه الجماهير في شؤون الاستبداد العقائدي من الناحية التشريعية؛ أي إنّ التشريعات الخاصة بالحريات والممارسات العقائدية لم تتغير، رغم دعوات التجديد الديني التي تدعو إليها السلطة  مراراً وتكراراً.

وهنا يتحول تجديد الخطاب الديني الرسمي لتأميم الخطاب الديني لصالح السلطة، وذلك بخلاف الفصل التشريعي الواضح الذي حدث في أوروبا، وأسّس لمفهوم التنوير الذي لا يقصي الدين من المجال الشخصي، لكنّه يفصله عن المجال العام.
كما وجّهت فلسفة الاستبداد المستنير في البلاد العربية سهامها في اتجاه المعارضة المدنية، التي غالباً ما تتَّهم بالخيانة العظمى، أو بانتمائها للجماعات المتطرفة دينياً، حتى لو لم يكن الأمر كذلك.

 المصدر: حفريات

 

اترك رد