إشكاليات لم تتجاوزها بعد جماعات الإسلام السياسي

0

إبراهيم غرايبة كاتب أردني

يفترض أن تكون الجماعات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني،  هي الضمانة الأساسية للديمقراطية ولترشيدها أيضاً؛ فالمساواة والحريات في مسارها، ليست مرتبطة حتماً بالتشريعات والأفكار، حتى لو كانت داعمة للحريات، والحال أنّه لا توجد ديمقراطية بلا ديمقراطيين؛ أي أفراد وجماعات مقتنعة اقتناعاً عميقاً بالأسس الصحيحة للسلوكيات الديمقراطية، وفي المقابل؛ فإنّ الجماعات غير المؤمنة بالحريات والديمقراطية، والتي تشارك في الوقت نفسه في العمليات التطبيقية للديمقراطية؛ كالانتخابات العامة والتأثير في المجال العام، تفسد المجال العام، كما تفسد معتقداتها.

ليس سؤالاً جديداً التزام وإيمان جماعات الإسلام السياسي المشاركة في المجال العام حول العالم بالديمقراطية والحريات العامة لكنّه يظلّ ملحّاً  ويفرض نفسه في سياقات تنظيرية وتطبيقية كما التجارب والأحداث التي تتشكل في معظم دول العالم التي تتداخل فيما بينها وصار سؤال المسلمين والديمقراطية شأناً يشغلهاحتى وهي دول ومجتمعات غير إسلامية هذا إضافة بالطبع  إلى الدول والمجتمعات العربية والإسلامية

يركّز هذا المقال على الإشكاليات والأسئلة الفكرية والأيديولوجية التي لم تتجاوزها بعد جماعات الإسلام السياسي، في علاقتها بالمجال العام، أكثر مما يناقش تجربتها العملية والتطبيقية؛ ذلك أنّ جماعات الإسلام السياسي أجرت تكيفات عملية وتكتيكية، والتزامات سلميّة تجاه العملية الديمقراطية، لكنّ الإنجاز الفكري والتنظيري لهذه الجماعات لم يتقدم في الاتجاه نفسه.

وهكذا؛ فإنّ الجماعات الإسلامية السياسية تخوض اليوم الحياة العامة والسياسية وتدير علاقاتها بالدول والمجتمعات التي تعيش فيها وتهاجر إليها دون وعي كافٍ أو التزام حقيقي بالفلسفة الجوهرية والمنشئة للديمقراطية، بما هي تعني المساواة، وأنّ جميع الأفراد يتصرفون بإرادتهم الشخصية، ويعرفون بالإرادة العامة كإرادة شرعية، وأنّهم يمضون إلى الانتخابات العامة والاستفتاء، كما يشاركون في الجدل العام والتأثير في الاتجاهات السياسية والاقتصادية، معتقدين أنّ جميع الاتجاهات والأفكار تملك الفرصة نفسها في التنافس والتصويت والجدل، وأنّ الأغلبية لا يحقّ لها أن تلغي الأقلية.

ومن الواضح، بالطبع؛ أنّه مفهوم ينشئ أسئلة حول القناعة الفعلية للجماعات المشاركة، كما الالتزام الحقيقي للفاعلين في المجال العام؛ ففي بناء المجال العام على أساس من الحريات والمساواة، تنشأ متوالية واسعة من الأفكار والمعتقدات والالتزامات، التي لم تظهر بعد في السلوك والفكر للجماعات الإسلامية السياسية؛ إذ إنّ ذلك يعني بالضرورة الإيمان بالمرجعية الإنسانية للتشريعات والاتجاهات، والإنسان وحده قادر على تمييز الصواب والخطأ والضار والنافع والقبيح والحسن، وقادر أيضاً على الاختيار والترجيح بين الأفكار والاتجاهات والأشخاص، وأنّها قدرة يتمتع بها جميع الفاعلين على قدم المساواة.

تحتاج الجماعات السياسية جميعها إلى أن تقدّم نفسها للناخبين والمجال العام بمشروع إنساني  عقلاني، وعندما تكون لها معتقدات وآراء دينية؛ فإنّها يحب أن تصوغها وتقدمها على نحو عقلاني إنساني، قابل للجدل واحتمال أن يكون صواباً وخطأ، فلا يمكن في المجال العام أن يكون التنافس بين ما هو دين وما هو ليس ديناً، أو بين ما هو من عند الله وما هو من عند الناس، وهذا الاستبعاد لتديين أو تقديس فكرة أو رأي أو اتجاه ليس لأنّه خطأ بالضرورة، لكن لأنّ تقديمه على أساس أنّه من عند الله يلغي نهائياً التنافس والجدل، ويتناقض مع المساواة المفترضة بين الناس جميعاً، كما يبتعد بأساس الاختلاف والاختيار عن جوهره الحقيقي والمنشئ؛ إذ يجب أن يكون هذا الأساس مجمعاً عليه وواضحاً لجميع المشاركين، ومتقبلاً لديهم بالتزام عميق، وليس سوى المساواة والحرية والعقل تصلح أساساً لهذا الإجماع الإنساني.

وهنا فإنّ الجدل والخلاف مع جماعات الإسلام السياسي ليس حول صواب ما تقدّمه أو خطئه لكن حول الأساس الذي تتجادل وتختلف أو تتفق حوله الأطراف الفاعلة في المجال العام فالجماعات الإسلامية لم تقدّم بعد أفكارها وبرامجها وما تدعو إليه على أسس من التماس العدل والخير بأفكار واجتهادات إنسانية وعقلانية وأنّها قابلة للخطأ، وأنّ الآخر يحتمل المعقولية والصواب

هكذا؛ فإنّ الفكر الديني المشارك في الفضاء العام يحتاج إلى إعادة صياغة وتنظير دون استخدام أدلة دينية  أو نصوص مقدسة، لكنّه يقدم ما يدعو إليه ويؤمن به دينياً، على أساس من العقل والأنسنة القابلة للمراجعة والجدل والتصحيح، وفي المقابل أيضاً؛ فإنّ مواجهتها مع الأفكار والاتجاهات التي تختلف معها لا يجوز أن تكون مستمدة من معتقدات ومواقف دينية تخصها أو تؤمن بها، حتى لو كانت معتقدات الأغلبية، لكن على أساس من التشريعات النافذة والحريات والقيم الإنسانية العامة التي تنظم الجدل والعلاقات بين المواطنين والفاعلين.

والحال؛ أنّ القاعدة الصحيحة للمشاركة العامة للجماعات الدينية، هي متدينون يشاركون في الحياة العامة وفق قواعدها الإنسانية، وقادرون على تحويل ما يؤمنون به دينياً إلى برامج وأفكار إنسانية وعقلانية، تقدّم للاقتراح والجدل والاختيار، بما هي قابلة للمراجعة، وبما هي أيضاً في وضع متساو في الاعتبار والفرص مع جميع الاتجاهات والأفكار والمعتقدات الأخرى، مع الإيمان والالتزام بما تختاره الأغلبية، ليس لأنّ ما تختاره الأغلبية صواب بالضرورة، لكنّه اختيار يمثل الآلية الوحيدة التي نعرفها لتنظيم وتفعيل العقد الاجتماعي، وفي حدود متابعتي، وما أعلمه، فإنّ جماعات الإسلام السياسي لم تتحوَّل بعد في هذا الاتجاه، وما تزال تقدّم نفسها للناخبين والمواطنين على أنّها ما يطلبه الله منهم.

المصدر: حفريات

 

اترك رد