رأي/ كرونيك

من أجل جبر الضرر الثقافي وتجويد التواصل المعرفي

إن ما تعرفه الساحة المعرفية والثقافية من زلازل وتصدعات، لا يمكن أن يؤرق المفكرين ولا الحقوقيين، لأن الإختلاف هو منبع التعددية ، والصراع هو أساس التطور، لكن دون تأهيل التفكير وتحيين المقاربات في ظل تراجع قوة الحرف المكتوب، وغزو الذكاء الإفتراضي مستحوذا على الفضاء التواصلي، جعل الكتابة أكثر تقوقعا في النخبة داخل المجال المغلق ، وتحولت الفضاءات إلى زوايا ومربعات في صيغة أندية ودواوين تحتضن “ربيعات”( جمع رباعة ) تطمح الى توزيع المنافع وتبادل المصالح، وشن حروب صغيرة لتحصين المكاسب ، ولنتذكر ان أحزابنا كانت تتعامل مع المنظمات الثقافية والمهنية كاوراق للضغط، ويا ليتها اختفظت على هذه البراغماتية رغم سلبيتها ، فكانت أحسن وأنبل تسبيا، الشيء الذي يدعو إلى مراجعة شعار ” الكلمة عابرة للقارات والذوات ” أو ” الكتابة ولادة جديدة ” !
لذلك علينا ان ننطلق من نقطة الوعي بأن الشأن الثقافي غير معزولة الأزمة التي تنخره عن الشأن العمومي، من السياسة إلى التربية، وبالتالي وجب إستحضار الأمن القيمي ، لكي نقيم ما يجري ونحلل العلاقة السببية بين الفاعلين وبين مسؤوليتهم ، وذاك من خلال زوايا ثلاث مركبة ومندمجة ، اولها تثمين التراكم الثقافي واستشراف امكانيات التطوير في العلاقة مع تنمية المشترك باستحضار التنوع والتعدد ، بمقاربة حقوقية تستند الى الانطروبولوجيا والذاكرة والارشيف المتاح ، مما يمنح فرصة للفاعلين والباحثين ، كي يمتحوا ويتمثلوا الحقيقة الوطنية لمحتوى الرأسمال اللامادي ، وكل العناصر التكوينية الإيجابية ذات الصلة بالبعد الإثني والهوياتي والديني الجدلي والأمن القيمي ، وبالنظر الى الكلفة والتضحيات التي خلفت لنا هذه التركة بإرهاصات تحررية ودمقراطية، فالانتهاكات ، على امتداد عهد الحماية وكذا سنوات الجمر ، تطاوست وطالت المشاريع والطاقات والأطر الثقافية المناضلة ، من مبدعين ومثقفين وكتاب وشعراء وفنانين ، غير ان الكساد والميوعة لم يبلغا هذه الدرجة ؛ مما يستدعي العمل على بلورة استراتيجية لجبر الضرر الثقافي في سياق إقرار عدالة مجالية وترابية ، تنسجم مع تنمية وتجويد الثقافة الدمقراطية ، والمصالحة بين المركز والجهات ، عبر الثقافة والمعرفة والتربية ، ولأن التنمية تربية والتنمية حرية ، لا يمكن تصور ضمان التعددية وصون الحق في الإختلاف ، بدون إدماجهما تفاديا لأي نزعة أريستوقراطية ثقافية من شأنها تكريس هيمنة الايديولوجيا على الثقافة والديماغوجيا الشعبوية على الإبداع والتواصل المعرفي .

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى