الراب ومختلف التعبيرات التي تفيض عن المشهد السياسي تزعج السلطة وتربكها (فيديوهات)

0

هل الراب مزعج لهذا الحد، الذي تتيح فيه السلطات لاعتقال مؤيديه ممن وزعوا شرائط غنائه، أو من مؤديه كما حدث مع بسيمو الكناوي، حين انتشرت على نطاق واسع أغنيته “عاش الشعب” وفيها أصدر الشاب كلمات قاسية، قالها مباشرة في حق السلطات العليا في البلاد، وبالتأكيد تلقى تجاوب من طرف عرائض مجتمعية، تعاني من نظام سياسي يقال عنه إنه شحيح في سلم الانتقالات ، ويات نظام سياسي معرقل,

في التقدير العام، أغاني الراب لا تقيم وزنا كثيرا للخطوط الحمراء في ما توافق عليه ضمنيا السياسيون وفي ما اعتبر لياقات لا ينبغي تجاوزها،  وفي ما اصطلح عليه الهامش الديمقراطي، الذي يبدو أن المغرب يعود له بقوة، وأساسا في عدم استساغ المقربين من السلطة الفعلية، أن يكونوا تحت نيران النقد والانتقاد.

اعتقلت السلطات، مؤدي أغنية عاش الشعب، بسيمو الكناوي، واعتقلت حمزة أصبر من العيون وحكمت عليه بأربع سنوات سجنا نافذا، واعتقلت كل من روج لأغانيهم، وخاصة أغنية عاش الشعب.

الراب أيضا في مدرجات كرة القدم..

حضرت السياسة بطريقة مختلقة وعن طريق الراب في مدرجات كرة القدم، وظهرت أغاني تحصد ملايين من المشاهدات، بل ويمتد تأثيرها لخارج المغرب، حضرت السياسة والأوضاع المعيشية وانسداد الأفاق، وبدأت ترفع لافتات احتجاجية، وبدأت تصدع أصوات غفيرة، أدى جمهور نادي “اتحاد طنجة” ولد الشعب” وكانت انتقادا واضحا لقانون التجنيد الإجباري، “لا خدمة لا ردما وبغوني نكون عسكري، وكانت أيضا انتقاد واضح بلا رتوشات للفساد ولتدهور الخدمات العمومية.

أغنية جمهر الاتحاد الطنجوي لقيت تجاوبا واسعا ورواجا ملفتا للانتباه ، وهكذا توالت أغاني ملاعب كرة القدم لتسجل أغنية جمهور الرجاء البيضاوي، إشعاعا فوق المتوقع، يتعلق الأمر بأغنية في بلادي ظلموني، وأغنية جمهور الوداد “صوت الشعب” ثم أغنية “هذي بلاد الحكرة” لاتحاد طنجة.

لذلك صرح أحد هؤلاء الشباب ممن ينتجون أغاني الراب لوسائل الإعلام قائلا:”كان هذا الحضور اللافت لأغاني مجشعي كرة القدم دافعًا ومحرضًا لمطربي الراب على البدء بحضور السياسة في الأغاني بشكل يقترب أكثر من النظام الحاكم، ويكون أكثر تعرضًا لمن هم في الحُكم؛ لذلك كان رد فعل السلطات تجاهننا حاسمًا وأكثر شراسة من حيث التعامل».

علينا أن لا ننسى معاد الحاقد و مستر كرايزي

كان قرار السلطات المغربية بدون أدنى تردد ومنذ بدايات هذه الموجة الشبابية، أن تكون صارمة في مواجهة منتقدي السلطات العليا، ومنتقدي المؤسسة الملكية، ولذلك تابعت معاد الحاقد اللاجئ اليوم ببلجيكا، مثلما تابعت مستر كرايزي، وكانت لا تجد صعوبة في إيجاد التكييف القانوني، إهانة المؤسسات الدستورية والملك والمس بالثوابث.

علينا أن نتذكر أنه في  عام 2011 جرى اعتقال مغي الراب معاد الحاقد، وهو أيضا ناشط حقوقي وعضو فاعل في «حركة 20 فبراير»، في سياق أغانيه المناهضة للنظام والملكية، والذي تكرر اعتقاله مرة أخرى في عام 2014، بعد إنتاج ألبوم جديد تحت  عنوان “والو” ليصدر قرار بسجنه مرة أخرى، خرج بعدها وتمكن من الحصول على اللجوء السياسي في بلجيكا.

أيضا في نفس السنة،  الشرطة ستعتقل  عثمان عتيق، وهو مغني راب شاب لم يتجاوز عمره آنذاك السبعة عشر عامًا، ومعروف في بلاده تحت اسم «مستر كريازي»، بعدما بث ثلاث أغنيات جديدة تتحدث عن حياة المنحرفين الشباب في الأحياء الفقيرة لمدينة الدار البيضاء، والذين يعيشون من أعمال السرقة ويتعاطون المخدرات، محملًا السلطة مصائر هؤلاء الشباب.

مغني الراب عثمان عتيق

و التهمة التي وجهتتها السلطات  لكريازي هي «تحريف كلمات النشيد الوطني»، و«إهانة الهيئات المنشأة»، «نشر تعابير غير أخلاقية» و«الحث على استهلاك المخدرات»، لينتهي الحال به إلى سجن للقاصرين.

القصة الداعية للتأمل، قصة الشاب حمزة الرائد، الذي استهواه الراب، فجرى حصاره في بين طموحه المهني، بين إيجاد توفيق بين التدريس في سلك حكومي، وبين فنه الناقم على نظام الحكم، ليضكر لمغادرة غناء الراب بعد خيبة أمله في التوفيق بينمها.

أغنية عاش الشعب التي أثارت جدلا تبرز ظهور تعبيرات تفيض على المشهد السياسي

كان اعتقال مؤدي أغنية “عاش الشعب” التي تتضمن كلماتها انتقادا لاذعا للسلطة، من بين مقاطعها:

«باسم الشعب، عاش الشعب، عاش اللي درويش، يا مّا راني ساخط، كيف بغيتيني ما ندويش؟» هذه بعض الكلمات التي أداها ثلاثة شباب معروفون بألقاب: لكناوي، لزعر، ولد لكرية، وتروي الأغنية قصصًا من معاناة الشباب من وجهة نظر المؤديين، إذ تقول: «قل لي هل سنصمت تجاه من أجهز على كل شيء؟ لن يجديكم نفعًا الترهيب أو الرصاص، إذا لم تفهم كلامي قدم استقالتك وارحل»، وتسرد معاناة المُهاجرين: «لا يعرفون أننا مذبوحون، والأزمة هي التي جعلتنا نتحدث ونغني، أنا المذبوح أنا المهضوم، أنا المواطن المغربي الذي عمقتم جرحه، أنا الأم التي مات أولادها في البحر وياما بكيت، أنا الأب الذي بأولاده ضحى، أنا المتعاقد المنبوذ».

بسيمو الكناوي

السلطات بررت أمر اعتقال مغني الراب المغربي برواية ذكرتها في بيان رسمي قالت فيه إن أمر القبض «جاء بناء على فيديو سابق على يوتيوب أساء للشرطة والأمن المغربي».

هو نفسه المشكل النظام السياسي لا يتصورنا إلا ضمن الهامش الديمقراطي والديمقراطية “دقة دقة”

تعتبر السلطة، أن حرية التعبير محدودة ولا ينبغي أن تتجاوز الخطوط الحمراء، أي النقد في حدود الممكن، أدت مثلا هذه السياسة للقبول إبان حركة 20 فبراير باجراء  بعض التعديلات في توزيع السلط، لكنها ظلت مسيجة بنفسها الإرادة إخضاع كل تنازل تحت الضغط، لإعادة صياغته تماشيا مع موازين القوى،وظهرت تجليات هذه السياسية في مواقف عديدة أبرزها في تعامل الملك محمد الساداس مع التظاهرات التي اندلعت ضد بعض رموز نظامه عقب ثورات الربيع العربي، إذ انتقل  الملك محمد السادس من موقع الحاكم الذي تندلع ضده الاحتجاجات إلى المؤيد للمطالب، متنازلًا عن بعض صلاحياته يوم التاسع من مارس 2011، ومقررًا توسيع هامش الحقوق والحريات في الدستور الجديد، ما تبعه إجراء انتخابات تشريعية سريعة، فاز بالأكثرية فيها «حزب العدالة والتنمية» ذو التوجه الإسلامي، وقام بقيادة الحكومة الجديدة، لكن ظهر في المستوى نفسه من التقدير أن الملك محمد السادس كان واعيا بتقدير حجم تنازلاته، بدليل ما سيأتي من بعد، ومن الضبط من البيجيدي.

نحن إذا، في المحصلة النهائية أمام تعبيرات جديدة تماما مثلما حدث في كل الحراكات الأخيرة، أكثرها نضجا حراك الريف، الذي قلب الطاولة وتسأل بجدية عن معنى العملية السياسية والمشهد السياسي في المغرب، ومعنى الاستمرار في نسج خيوط مشهد سياسي أخر إبداعاته مقترحات نموذج تنموي جديد، سيسائل الجميع إن جرى تبنيه عن معنى الانتخابات والأحزاب السياسية، والمعنى يفيد أننا سنكون أمام مزيد من ميلاد تعبيرات مجتمعية أقوى وأكثر حيوية في التعبير عن حاجيات المجتمع من مشهد سياسي يبدو أنه بئيس.

Leave A Reply