ابن تيمية.. لماذا مايزال يثير كلّ هذا الصخب؟

0

ابن تيمية؛ الفقيه الذي شغل الناس؛ هل هو حجة الإسلام، أم المبتدع الضّال؟ هل هو عرّاب التطرف والإرهاب و التكفير ، أم محيي السنّة في زمن كاد الإسلام أن ينتهي فيه؟ ما بين مؤيّدي “شيخ الإسلام” ومعارضيه، تكاد تضيع حقيقة الرجل؛ فمن هو ابن تيمية الحقيقي؟ وهل يستحقّ كلّ هذه المعارك؟ ولماذا كلّ هذا الصخب حوله وحول شخصيته وأفكاره وفتاواه؟

طارق أبو السعد كاتب وباحث مصري

شهد ابن تيمية حرباً بين المسلمين بعضهم مع بعض كان لها تأثير سلبيّ في تكوينه النفسي

هو أحمد تقي الدين أبو العباس، الشهير بابن تيمية الحراني المولود فيها يوم الإثنين العاشر من ربيع الأول العام 661هـ الموافق 1263م، كانت مدينة حران التي ولد فيها قريبة من تمركز التتار في فارس، بعد انسحابهم من الشام؛ لهذا ظلّت تشهد كلّ فترة هجوماً عسكرياً تترياً عليها، فارتحل والده، العام 1270، إلى دمشق، بحثاً عن الأمان، وكانت آنذاك تحت حكم نائب السلطان الظاهر بيبرس.

كتاب "مجموعة الفتاوى" لابن تيمية

كتاب “مجموعة الفتاوى” لابن تيمية

شهد ابن تيمية حرباً بين المسلمين بعضهم مع بعض، كان لها تأثير سلبيّ في تكوينه النفسي؛ ففي العام 1279؛ امتنع نائب السلطنة في دمشق، الأمير سُنقُر الأشقر، عن مبايعة السلطان المنصور قلاوون، ودعا أهل دمشق إلى الخروج على طاعة الأخير، وأعلن نفسه سلطاناً، وتلقَّب بلقب “الملك الكامل”، وطلب من نوّاب الولايات في الشّام الاعتراف به، ولم يقف السلطان قلاوون موقف المتفرج من هذه الحركة، فقاتل الأمير سُنقُر حتى هزمه، وأجبره على الاستسلام.

بعدها بأعوام، العام 1285، توفَّى والد ابن تيمية، وكان شيخاً فقيهاً حنبلياً، له مشيخة التدريس بدار الحديث بالسكرية في دمشق، وكان ابن تيمية  شاباً، عمره 22 عاماً، فقام مقام والده في مشيخة التدريس في هذه السنّ المبكرة، وبعد أشهر قام بالتفسير في المسجد الأموي.

عندما مات السلطان المنصور قلاوون؛ تولّى الحكم ابنه، الأشرف صلاحُ الدين خليل بن قلاوون، العام 1290، إلى أن قُتل العام 1293، وكان ابن تيمية حينها ما يزال قائماً بالتدريس والتفسير في المسجد الأموي، وشهد الخروج على السلطان، وقتله بيد مماليكه، مما ترك أثراً في تكوينه كذلك.

جعلت مشاهدة القتال في شقحب ابن تيمية ميالاً للاقتتال فألّف جماعة من المؤمنين بأفكاره وجنّدهم

وعندما تولى محمد بن المنصور قلاوون السلطنة؛ عزله الملك العادل، زين الدين كتبغا، بعد ثلاثة أشهر، لكنّه ارتكب جريمة  في عرف ابن تيمية؛ هي أنه استقبل في مصر حوالي عشرة آلاف مغوليّ وثنيّ، عُرفوا باسم “العويراتيَّة”، أو “الأويراتيَّة”، فارّين من الدولة الإلخانيّة (في فارس)، فاستثار هذا الفعل شعور الأهالي، وزادت نقمتهم على السلطان، فقُتل بعد مدّة حكم طالت عامين.

ثم غزا السُلطان التتري، محمود غازان، الشام (العام 699هـ-1299م)، وهزم الجنود المماليك، وأصبحت الشام تحت سيطرته، والتقى ابن تيمية  السلطان  محمود، وحاول منعه من دخول دمشق، لما يرتكبه جنوده من الفواحش، وخرج ابن تيمية يحثّ الناس على التمسك بالدين، حتى يتمكنوا من النصر، فقام بالخروج مع أصحابه إلى الخمارات والحانات، وعملوا على تكسير أواني الخمور، وإراقة ما فيها، وعزّروا جماعة من أهل الحانات؛ ظنّاً منه أنّ هذا يكفي للانتصار، ولم ينتصر المماليك على التتار، إلا بعد استجماع أسباب القوة، وفور عودتهم إلى ديارهم، وترك حامية في الشام، جاءت الأخبار بقدوم التتار مرة أخرى لغزو الشام.

فظهرت مسألة: هل قتالهم واجب، أم هي خلافات بين الأمراء كما حدث في السابق؟ يقول ابن كثير عن ابن تيمية : “وقد تكلّم الناس في كيفية قتال التتار من أي قبيل هو؟ فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنّهم لم يكونوا في طاعته في وقت، ثم خالفوه. فقال الشيخ تقي الدين بن تيمية: “هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنّهم أحقّ بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحقّ بإقامة الحقّ من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة”، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: “إذا رأيتموني من ذلك الجانب، وعلى رأسي مصحف، فاقتلوني”، فتشجّع الناس على قتال التتار، وقويت قلوبهم ونيّاتهم، ولله الحمد”.

بسبب حدته الواضحة وتعصبه لرأيه بدأ يدخل في خلافات مع العلماء المعاصرين له ومع السلطات الحاكمة

وارتحل ابن تيمية إلى مصر؛ ليحثّ القادة المماليك للدفاع عن الشام  مرة أخرى، واستجابوا له، وشارك معهم في وقعة “شقحب” (العام 702هـ-1302م)، وكانت وقعة عظيمة بين التتار والمسلمين.

جعلت مشاهدة القتال في شقحب ابن تيمية ميالاً للاقتتال؛ فألّف جماعة من المؤمنين بأفكاره، وجنّدهم، وسار بهم، العام 1304م، إلى جبل الجرد والكسروانيين، وكان السبب في هذه الحملة؛ أنّ سكان هذه المنطقة من الإسماعيلية والباطنية والحاكمية والنصيرية، الذين عدّهم ابن تيمية خارجين على الإسلام، وديارهم ديار كفر.

وبسبب حدة ابن تيمية الواضحة وتعصبه لرأيه، بدأ يدخل في خلافات مع العلماء المعاصرين له، ومع السلطات الحاكمة، وكان يناظر بحدّة وبتعصب شديدين، وكان فيه غضب، حتى أنّه دعي إلى مصر، في رمضان 1305ه، للاستماع إليه، ورفض أن يحكم في شأنه القاضي المالكي، فحُبس لمدة عام ونصف، غير أنّه استمرّ في منهجه وفي تعصبه الشديد، وحبس أكثر من مرة،  لفترات متفاوتة؛ منها العام 707هـ في محبس القضاة لعام ونصف، ثم أُخرج منه، وأُرسل إلى الإسكندرية، وحُبس في برج القلعة لثمانية أشهر، وخرج منه بعد عودة الملك محمد بن المنصور قلاوون إلى الحكم.

وفي العام 718هـ أثار الناس بمسألة الحلف بالطلاق، فحُبس إثرها بالقلعة لخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً، وفي العام 726هـ أعيد إلى سجن القلعة ، وكان أخوه يخدمه فيه، وقد كتب في السجن في مسائل كثيرة، وأقبل على التلاوة والعبادة والتهجّد، حتى وفاتِه، ليلة 22 من شهر ذي القعدة عام 728هـ، وقد بلغ من العمر 67 عاماً.

ثيرات الزمان والمكان

عاش ابن تيمية في زمان ومكان مرتبكين ومضطربين، فقد وُلد بعد أعوام قليلة من سقوط بغداد، حاضرة الخلافة، العام 1258 على يد التتار، وكانت وقتها رمزاً للإسلام والإيمان والانتصار، سقطت ودخلها التتار منتصرين، هكذا وبكلّ بساطة وسهولة؛ عندها ضجّ الناس، وانطلقت تساؤلات مشروعة مثل: لماذا لم ينصرنا الله؟ صحيح أنّ المسلمين بقيادة المماليك تمكّنوا من طرد التتار والانتصار عليهم، في غضون عامين؛ أي العام 1260، عندما تمكّن القائد قطز من هزيمتهم، في عين جالوت، لكن ظلّ السؤال يزلزل وجدان الأمة الإسلامية: لماذا هُزمنا؟! فكان جوابه ابن تيمية حاضراً؛ بسبب الابتعاد عن الدين، وليس عن أسباب النصر، ثم ترتب على هذا الجواب حل كارثي؛ هو تربية جيل مؤمن بأفكاره، يكون النصر على يديه؛ فأسّس لنفسه مشروعاً فكرياً يظنّ أنّه يملك مفاتيح الحق دون غيره.

ركائز مشروع ابن تيمية

الركيزة الأولى: تمحيص العقيدة

اختار ابن تيمية أن تكون نقطة البداية لمشروعه لاستعادة النصر المفقود؛ البدء بتمحيص عقيدة المسلمين، ليستحقوا نصر الله، لهذا توسّع في تكفير المخالفين في تفاصيل العقيدة، مثل: الأشاعرة والماتردية.

هذا التوسع في التكفير شمل علماء مثل: الطبيب المشهور ابن سينا، وأبي بكر الرازي، والعالم جابر بن حيّان، وأبي نصر الفارابي، والخوارزمي مؤسّس علم الجبر، وابن الهيثم مؤسّس علم المناظر، وهو ما جرّ إلى تحريم علومهم، وحرمان المسلمين من مجهودات كبيرة كان يمكن أن يبنى عليها في نهضة الأمة، لكن تم إهمالها ولم يكد يظهر له ذكر من بعده إلا واقترن بأسوأ الأوصاف.

الركيزة الثانية: تحديد الديار

هناك دار كفر ودار إيمان، وهناك دار حرب ودار سلم، ونظراً إلى التداخل الشديد بين المفاهيم وتطبيقها على الواقع؛ حيث كثرت المدن المسلمة التي يحكمها  غير المسلمين، وكثر القادة المسلمين المتعاونين مع الغزاة الوثنين، مثل الصليبين أو التتار، فتشدّد ابن تيمية في الحكم عليهم،  وعدّهم دار حرب، فقد نشأ وفي ذهنه مواقف لأمراء تحالفوا مع هولاكو، مثل: الأمير بدر الدين لؤلؤ (أمير الموصل)، الأمير كيكاوس الثاني، والأمير قلج أرسلان الرابع من منطقة الأناضول (وسط وغرب تركيا)، الأمير الأشرف الأيوبي (أمير حمص)، الأمير الناصر يوسف (حفيد صلاح الدين الأيوبي)، أمير حلب ودمشق، فهؤلاء الأمراء كانوا يملكون ويحكمون معظم شمال العراق وأرض الشام وتركيا.

الركيزة الثالثة: تحديد الفرقة الناجية

ظلّ ابن تيمية يحاول بعث الفرقة الناجية وتكوينها، والحثّ على استخراجها من بين أظهر الأمة، ولا يخفى على أحد أنّ الادعاء بأنّ طائفة ما هي الفرقة الناجية، تجعل منها جماعة فوق النقد وخارج دائرة الشبهة، لم يكن ابن تيمية محايداً، ما ينبغي للفقيه أن يكون؛ بل كان في قلب المعركة السياسية، التي كانت رحاها تدور بكلّ قسوة بين الفرق والطوائف الإسلامية.

ارتحل ابن تيمية إلى مصر؛ ليحثّ القادة المماليك للدفاع عن الشام مرة أخرى، واستجابوا له

ارتحل ابن تيمية إلى مصر؛ ليحثّ القادة المماليك للدفاع عن الشام مرة أخرى، واستجابوا له

الآثار السلبية لبعث أفكار ابن تيمية

من أخطر الظواهر التي تعيشها الأمة الإسلامية، في المرحلة المعاصرة والحاضرة؛ ظاهرة التكفير؛ حيث نجد أنّ هناك نهجاً يتبعه الإسلامويون، وكثير من دوائرهم، يبدأ بالولاء والبراء، ثم بالانحياز، ثم يتدرج بتفسيق الآخر، ثم تكفير المخالف، ثم باستباحة الدماء والأموال والأعراض، سلسلة من الاتهامات تنتهي بإراقة الدماء، ولعلّ واقعنا الإسلامي يؤكد هذا، وللأسف الشديد؛ هذا النهج هو ما أسّس له ابن تيمية، قياساً على ظروف استثنائية لم تؤخذ بالاعتبار.

أفكاره لم تقدم حلولاً لمجتمعه ولم تنقذه من الهزيمة وقتها فكيف يمكن أن تفعل ذلك لمجتمعات اليوم!

كان عصر ابن تيمية عصر هزيمة، فلم يكن مستغرباً أن يعكس بل ويفرز فكره واقعاً مماثلاً، فهل يصحّ أن تتحول أفكاره، التي كانت انعكاساً للاضطراب الذي اجتاح المسلمين، إلى مرجع لا يُردّ؟ فتحدّي استهداف العقيدة انتهى، والخوف من التأثير والتأثّر بالمجتمعات الأخرى أصبح سمة حضارية، كما استجدت تحديات أخرى، ومشاغل مختلفة لم تكن معروفة في زمانه.

إنّ من بعثَ الحياة في ابن تيمية، ليحكم بآرائه وفتاويه الغريبة عن مجتمعنا، أحيا جدلاً لن ينتهي، وخلافاً مهلكاً لن يهدأ ما لم يوضع في إطاره الصحيح؛ فأفكاره لم تقدم حلولاً لمجتمعه، ولم تنقذه من الهزيمة وقتها، فكيف يمكن أن تفعل ذلك لمجتمعات اليوم، أو أن تنقذهم من التخلف والفقر والمرض!

المصدر: حفريات

Leave A Reply