PJD والمودودي وما بينهما من اتصال في رفض الدولة المدنية والانتصار للحاكمية

0

أسقطت واقعة إطلاق أسماء شيوخ التطرف ودعاة الإرهاب والكراهية على عدد من شوارع وأزقة مدينة تمارة، القناع عن الإستراتيجية الحقيقية التي يطبقها حزب العدالة والتنمية بغاية “التمكين” دون الإعلان عنها بشكل رسمي، حتى لا يصطدم مع النظام الملكي وتيار الحداثة والديمقراطية.

بقلم سعيد الكحل كاتب وباحث

فالحزب ، حين قرر المشاركة السياسية من خلال مؤسسات الدولة وخوض الانتخابات، تظاهر بقبول الانخراط في بناء الدولة الديمقراطية دون أن يتخلى عن قناعاته الثابتة أو يغيّر غاياته القصوى وهي إقامة “الدولة الإسلامية”، التي تطبق أحكام الشريعة وتكون فيها “الحاكمية” لله وحده.

فالمشاركة السياسية للبيجيدي ليست بغاية تدبير الشأن العام كما هو الحال بالنسبة لباقي الأحزاب السياسية، بل هي وسيلة من بين الوسائل التي يعتمدها من أجل توفير أسباب “التمكين” أو “الانقلاب الإسلامي” بتعبير المودودي.

لهذه الغاية، لا يدخل البيجيدي في صدام مع النظام الملكي، بل يجتهد بالتظاهر في خدمته حتى يكسب ثقته ويطمئن إليه، فيتغاضى عن أساليب الاختراق والتغلغل داخل الدولة والمجتمع.

فالبيجيدي ليس حزبا مستقلا عن حركة التوحيد والإصلاح، بل هو ذراعها السياسية التي تنفذ بها إستراتيجيتها (أسلمة الدولة والمجتمع في أفق إقامة الدولة الإسلامية ونظام الحاكمية)، والتدرج من أجل الوصول إلى الأهداف تكتيك تنهجه الحركة والحزب معا تجنبا للاصطدام أو التسرع؛ وقد عبّرت عنه في ميثاقها كالتالي: (“الاستعجال والقفز على طبائع الأشياء والتصرف تبعا للاستفزازات وردود الفعل يفضي عادة إلى مصائب وكوارث تعود أضرارها على الدعوة وترجع بها للوراء”.

هنا تكمن خطورة إطلاق أسماء شيوخ التطرف والكراهية على شوارع وأزقة بعض المدن (الرباط، تمارة، طنجة) بغاية “أسلمة” ثقافة المجتمع ومظاهره كما ينص ميثاق الحركة (تنشد الحركة مجتمعا تصطبغ كل مظاهره بقيم الإسلام وأحكامه)، بالموازاة مع “أسلمة” الدولة بحيث تكون ( مجموع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والنظم الأساسية للمجتمع ومن أهمها في بلدنا (الدستور)، ويضاف إلى ذلك المؤسسات والإدارات التي تمارس من خلالها تلك السلطات أو تطبق تلك النظم .. صادرة عن الإسلام وملتزمة به، وأن تكون السياسات العامة للدولة متفقة مع مبادئ الإسلام ومقاصده).

والغاية القصوى من كل هذا التدرج والتكتيك والإستراتيجية هي “التمكين” وإقامة “الدولة الإسلامية” التي يعرّفها ميثاق الحركة بأنها (هي التي تكون الحاكمية العليا فيها لشرع الله، والأمة فيها هي مصدر السلطات، وهي دولة هداية لا دولة جباية، ودولة شورى لا دولة استبداد، تستفيد من تجارب الآخرين في مجال الأساليب وتتميز عنهم في الأهداف والمقاصد).

ولكم يستغرب المرء من ترخيص الدولة لتنظيم دعوي/سياسي يعلن رسميا في وثائقه أنه يؤمن بنظام “الحاكمية” ويسعى لإقامة “الدولة الإسلامية” كما أسس ونظّر لهما الأب الروحي لجميع التنظيمات الإسلامية المتطرفة منها والإرهابية أبو الأعلى المودودي.

فأيا كانت الحسابات السياسية للنظام، فإن الترخيص لتنظيمات تسعى لتقويض أركانه وتناهض توجهاته والمشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي الذي يعمل على تحقيقه بالتوافق مع الشعب وقواه الحية هو مغامرة حقيقية.

وتزداد الخطورة في ظل تغوّل التنظيمات الإسلامية وتغلغلها في مفاصل الدولة مقابل ضعف وتشرذم مكونات التيار الحداثي/الديمقراطي.

يتضح إذن، أن حزب العدالة والتنمية يعتمد الديمقراطية كآلية وأداة تتيح له اختراق مؤسسات الدولة كما تضمن له إمكانية استثمارها لتسريع عملية التغلغل في المجتمع والانتشار الأفقي الأوسع بما يسمح له تحقيق الفوز في الانتخابات عبر صناديق الاقتراع.

الأمر الذي يكسبه قوة سياسية واجتماعية يضغط بها لتوسيع دائرة الأسلمة في الدولة والمجتمع معا، في مقابل طمس معالم الحداثة وأسس الوطنية (إطلاق أسماء شيوخ التطرف على الشوارع ).

قد تبدو الأمور جزئية لكنها خطيرة على المدى المتوسط والبعيد خصوصا إذا استحضرنا المؤسسات والجمعيات التي ينشئها الحزب لخدمة إستراتيجيته، هكذا تتكامل الأدوار التي يقوم بها الحزب داخل الحكومة (وضع تشريعات تصادر الحقوق والحريات، توفير الحماية القانونية لشيوخ التطرف، عرقلة مشاريع التحديث والتنمية ..)، مع تلك التي يقوم بها مستشارو الحزب في المجالس المحلية (خلق ودعم الجمعيات الموالية للحزب، تعطيل المشاريع التنموية، تشريع قوانين مناهضة للحريات (قانون منع الاختلاط في صالونات التجميل والحلاقة والتدليك في فاس قبل تدخل وزارة الداخلية)، إطلاق أسماء شيوخ التطرف والكراهية على الشوارع ..). ثم الأدوار التي تقوم بها المدارس القرآنية والمؤسسات التعليمية والجمعيات الرياضية والفنية، فضلا عن التأطير الخطير الذي يمارسه خطباء الجمعة والوعاظ والمرشدات.

لقد اتخذت حركة التوحيد والإصلاح وذراعها السياسية من أبي الأعلى المودودي مرجعها الأساس ومرشدها إلى أسلمة المجتمع والدولة، فهي تطبق توجيهاته التالية(إن المسلمين لو أرادوا أن يعيشوا مسلمين حقيقة، فلابد من أن يطيعوا الله في دقائق حياتهم وعظائمها، وأن يحكموا شريعته وقانونه في حياتهم الشخصية والجماعية، إذ الإسلام لا يقبل أبداً أن يعلن الإنسان إيمانه، بأن الله رب العالمين ثم يصرف أمور حياته وشؤونها وفق قانون غير إلهي).

ومعنى هذا الرفض التام للدولة المدنية وتكفير قوانينها ونظمها الديمقراطية التي تضمن للناس حق التشريع لتسيير حياتهم المشتركة في إطار دولة وطنية، بينما يراها المودودي وأتباعه “جاهلية” و”كفرا” ( يختلف الإسلام عن الجاهلية، لأنه قائم على الحاكمية لله فيما الثاني قائم على الحاكمية للإنسان) و(الأمور التي كان الله يتولى فيها حكمه لم يكن فيها ما نصطلح عليه اليوم بالديمقراطية).

إن الغاية التي حددها المودودي من تأسيس تنظيمات الإسلام السياسي ومشاركتها في العملية السياسية ليست بناء دول مدنية وأنظمة ديمقراطية تضمن الحقوق وتحمي الحريات، بل توفير كل الأسباب المادية والبشرية والفكرية والتربوية لإنجاح “الانقلاب” على الأنظمة والدول وإقامة “الدولة الإسلامية” ونظام “الحاكمية” (الإسلام ليس نحلة كالنحل الرائجة، والمسلمون ليسوا أمة كأمم العالم، بل إن الإسلام فكرة انقلابية ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره ويأتي بنيانه من القواعد، ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العلمي).

على الدولة إذن، أن تدرك خطورة إستراتيجية الأسلمة والتطبيع مع رموز التطرف التي تنهجها التنظيمات الإسلامية فتتصدى لها تحصينا للمجتمع وحماية للأمن الروحي والفكري وتكريسا للمكتسبات.

Leave A Reply