حيث يصبح الاستهلاك نفسه وسيلة لمقاومة الافتراس الاقتصادي..البلغيثي يكتب: واش الحوتة “خنازت” من الراس؟
28/02/2025
0
بقلم الناشط الحقوقي والإعلامي: رشيد البلغيثي
يَخالُ البعض أن الدولة، في المغرب، تَغُض البصرَ عن اللوبيات وتُدمي مِعصَمَ التجار الصغار بِقَيدِ اللجان المختلطة التي تحاسب الباعة على الثاء المعجمة إن لم تكن منقوطة في “لائحة الاثمان”!
هذا غير صحيح البتَّة.
الدولة لا تغض الطرف عن اللوبيات إن الدولة في المغرب هي اللوبيات !
وكما أضحت مقولة “أنا الدولة والدولة أنا”، المنسوبة للملك لويس الرابع عشر، اكثر العبارات دلالة على الاستبداد فإن مرادفها المعبر عن الفساد في المغرب هو “أنا الثروة والسلطة.. وهما معا أنا” والعبارة هذه تُرى في كل مكان وسُمعت منذ أيام في البرلمان.. وما لجنة مراكش المختلطة التي وقفت عند باب “الجاپوني الحوات” إلا تعبير عن اللوبي الذي تَلَبَس الإدارة وفَصَّل القوانين وأوََل المساطر وظهر أمام الفقراء يرتدي زيا رسميا ويُدَوِن محضرا قبل أن يغلف باب رزق في”لمحامید” أو يهدم سقفا على رأس أرملة في “حي المحيط”.
الإمارة في المغرب تجارة.
الوزراء والولاة والعمال والقضاة والأمنيون والبرلمانيون وأعضاء مجالس الجهات والعمالات والجماعات.. إما تجار أو يحمون التجارة كي يصيبهم بعض من نفعها..
وبين هؤلاء وللأمانة قِلة تنظر بغضب الى هيمنة لوبيات تجارية تتحكم في الأسعار والادارة عبر شبكات السمسرة والاحتكار.
حاول بعضُُ من قِلة (ومنهم رجال اعمال ومسؤولين عموميين) فضح بنية سوق مغربية غير تنافسية يتحكم فيها وسطاء يراكمون الأرباح قبل أن يختفي (هذا البعض) عن الرادار أو يتم تعيينهم سفراء للمملكة في “الهولولولو” واستبعادهم عن كراسي المسؤولية في درس قاسِِ، واضح ومتكرر مفاده “مرحبا باللي بغا لعفن واللي قلب على النقا يتدفن” !!
لا مصلحة للدولة المغربية في إرساء قواعد شفافة تحمي المنافسة وتقضي على الاحتكار لأن جينوم النظام فيها قائم على تحالف المصالح بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية. إن فصل الثروة عن السلطة في المغرب معناه قتل لنموذجها، فالأمر أشبه بعملية فصل جراحية لتوأم سيامي يشترك قلبا واحدا لا قَلبين.
حانوت “الحوات الجاپوني” أظهر، للبسطاء، أن المغرب خلطة عجيبة من المال والريع والسلطة والتسلط والفلقة والقانون والگوزة ولقايد وشِباك الصيد والتصياد وبسبيسة وقاع قلة والصحافیین وأساتذة القانون الدستوري الذين يشكرون الوالي ومحاضر المعاينة والقرفة والقَرَف..
باختصار المغرب “راس حانوت” استعاض فيها العطار “حبة حلاوة” بمرارة الظلم.
لقد وقف “الجاپوني” وقفة ساموراي أمام جيش الريع والرعاع وحيدا ودِرعه “التيكتوك” وأظهر أن للبسطاء خطة غير تقليدية للتسلل إلى ساحات الفساد ومواجهة خلايا الغلاء وتفكيكها وفضح عقيدتها القاتلة التي فجرت استقرار مئات الآلاف من الأسر المغربية الآمنة كما أظهر (وللمفارقة) ان الاقتصاد الذي لم تكتمل هيكلته هو أيسر أدوات المقاومة الشعبية ضد الإحتكار عبر الدور الذي قد يلعبه البؤساء في خلق أسواق موازية تتحدى الريع الذي يلبس ثوب الأسواق الحديثة والممتازة.
يظهر حجم النجاح الذي عرفته حملة “مقاطعون”، التي شهدها المغرب سنة 2018، والتفاف مغاربة الشبكات الإجتماعية حول “الجابوني” تَحوُلَ الاقتصاد إلى أداة احتجاجية، حيث يصبح الاستهلاك نفسه وسيلة لمقاومة الافتراس الاقتصادي.
عندما تشتري خالتي جميعة، في “طوالة بلارج”، كيلو غرام سردينِِ ب 5 دراهم فهي لا تستعيد بعضا من مالها المسروق بل تستعيد جزءا من كرامتها المهدورة !
هذا ما لا يستوعبه الماسكون برقابنا فوق.. لأن لحوتة خنازت من الراس.