
قدّم الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، قراءة لأثمان المحروقات في السوق الوطنية، مقارنة بمعطيات السوق الدولي، مؤكدا أن السعر الحقيقي للتر الواحد من الغازوال، بناءً على أسعار السوق الدولية وسعر صرف الدولار ومصاريف النقل والتخزين والميناء، لا يتجاوز 5.8 دراهم، بينما يبلغ ثمن لتر البنزين 5.2 دراهم.
وبعد احتساب الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الاستهلاك، واللتين تمثلان 3.3 دراهم للغازوال و 4.7 دراهم للبنزين، يصل الثمن المنطقي للتر الواحد إلى 9.1 دراهم للغازوال و9.9 دراهم للبنزين.
غير أن الواقع في محطات التوزيع خلال النصف الأول من أكتوبر الحالي يُظهر فروقات واضحة، إذ لا يقل سعر البيع عن 10.7 دراهم للغازوال و 12.7 دراهم للبنزين، مما يعني أن الموزعين يحققون أرباحاً إضافية غير مبررة تبلغ 1.6 درهم في الغازوال و2.8 درهم في البنزين، وهي أرقام تفوق بأضعاف الأرباح التي كانت تحددها السلطات العمومية قبل قرار التحرير.
من تنظيم الدولة إلى فوضى السوق
وأشار اليماني في تصريحه إلى أن هذه الأرباح المفرطة لم تكن قائمة قبل قرار تحرير أسعار المحروقات، الذي أقرّته حكومة عبد الإله بنكيران، وكان عزيز أخنوش حينها وزيراً للفلاحة.
ففي السابق، كانت السلطات العمومية تحدد هامش الربح في حدود 0.6 درهم للغازوال و0.7 درهم للبنزين، وهو ما كان يضمن توازناً بين مصلحة المستهلك واستدامة القطاع.
لكن بعد تحرير الأسعار، يقول اليماني، “أُطلق العنان للشركات الموزعة التي باتت تتحكم في الأسعار خارج قواعد المنافسة الحرة”، مما أدى إلى تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية دون مبرر اقتصادي مشروع.
90 مليار درهم أرباح فاحشة خلال عشر سنوات
وبناءً على استهلاك المغرب لحوالي 7 مليارات لتر من الغازوال ومليار لتر من البنزين سنوياً، قدر اليماني حجم الأرباح الزائدة التي تحققها الشركات الموزعة بما يقارب 9 مليارات درهم سنوياً، موزعة على 7 مليارات من الغازوال و2 مليار من البنزين..
وباحتساب عشر سنوات من تحرير الأسعار، يصل مجموع الأرباح “الفاحشة”، وفق تعبيره، إلى نحو 90 مليار درهم، وهو رقم يعكس، بحسب اليماني، حجم الخلل في بنية سوق المحروقات بالمغرب بعد قرار التحرير.
وعود لم تتحقق
واستحضر اليماني المبررات التي قدمتها حكومة بنكيران عند اتخاذ قرار التحرير، والتي تمثلت في تحويل ميزانية الدعم إلى تحسين خدمات الصحة والتعليم، غير أن الواقع، حسب تصريحه، “كشف العكس تماماً”، إذ شهدت تلك القطاعات “انفتاحاً مفرطاً على القطاع الخاص”، وتراجعاً في أداء المرافق العمومية.
وأكد أن السياسات المتعاقبة، من حكومة بنكيران إلى حكومة العثماني وصولاً إلى الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش، ساهمت في توسيع الفجوة الاجتماعية و زيادة الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
مطالب لإعادة التوازن وإنقاذ المرفق العمومي
وفي ختام تصريحه، وجه الحسين اليماني جملة من المطالب إلى السلطات العمومية، داعياً إلى مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية التي أدت إلى تفاقم معاناة المواطنين،
وشدد على ضرورة التراجع عن تحرير أسعار المحروقات، باعتبارها الخطوة الأولى نحو حماية المستهلك من جشع اللوبيات المتحكمة في السوق.
كما دعا إلى إعادة الاعتبار للمرفق العمومي في الصحة والتعليم عبر وقف نزيف الخوصصة، والتفكير في تأميم المدارس والمستشفيات لضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات الأساسية،
وفي ما يخص ملف شركة “سامير“، طالب اليماني برفع العراقيل التي تحول دون استئناف نشاط التكرير، واقترح تفويت الشركة للدولة عبر مقاصة الديون، لما لذلك من أثر إيجابي على الأمن الطاقي الوطني هذا و شدد على أهمية تخفيض الضرائب على المحروقات وملاحقة المتهربين ضريبياً وفقاً لثرواتهم ومداخيلهم، لتحقيق العدالة الجبائية وتخفيف العبء المالي عن المواطنين.
نداء في زمن الحراك الشبابي
وختم اليماني تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الحالية، التي تتسم بعودة الحراك الشبابي ومطالب العدالة الاجتماعية، تفرض على الدولة الاستماع بجدية إلى نداءات الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين..
وقال إن ما وصل إليه المغرب اليوم من أزمات معيشية متراكمة هو “نتاج مباشر لتحرير الأسعار لصالح اللوبيات الاقتصادية المتحكمة في الأسواق” ، داعياً إلى “تصحيح المسار” قبل أن تتعمق الفوارق أكثر بين فئات المجتمع.




