الرئسيةميديا وإعلام

مريم أبو دقة.. وهبت كليتها لوالدها وأنقذت ابنها واغتيلت بدم بارد+فيديو

الأناضول/لم تكن حياتها عادية؛ فقد سطرتها بتضحيات استثنائية حين تبرعت بكليتها لتنقذ والدها من ألم المرض، وأبعدت طفلها الوحيد إلى خارج قطاع غزة لينجو من الإبادة التي ترتكبها إسرائيل منذ 23 شهراً، وقُتلت وهي تؤدي واجبها في نقل الحقيقة.

هي الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة، التي قتلتها إسرائيل مع أربعة صحافيين آخرين، في 25 غشت الجاري، بغارة بينما كانوا يؤدون عملهم داخل “مستشفى ناصر” بمدينة خان يونس، إذ أسفر الهجوم عن مقتل 22 فلسطينياً، وفق وزارة الصحة بغزة.

ذكريات مؤلمة

داخل خيمة تؤوي عائلة مريم المكلومة بعد أن قصف الجيش الإسرائيلي منزلها، خلال الشهور الماضية، جلس الأب رياض أبو دقة غارقاً بين الدموع والذكريات.

يروي الوالد كيف كان يعاني من فشل كلوي، وكيف لم تحتمل ابنته مريم آلامه، فذهبت سراً وأجرت الفحوصات الطبية، ثم عادت لتخبره بقرارها التبرع بكليتها لإنقاذ حياته.

قاوم الأب رافضاً فكرة أن تفقد ابنته جزءاً من أعضائها، لكنها بحنانها وإصرارها جعلته يستسلم في النهاية، ليخضعا معاً لعملية ناجحة أعادت له القدرة على العيش، وتركته ممتناً لها إلى الأبد.

يقول رياض أبو دقة: “ابنتي مريم لم تفكر بنفسها يوماً، بل كانت تفكر فينا جميعاً”.

ويضيف: “حين مرضت بالكلى، فوجئت بها تعود من المستشفى وتقول إنها أجرت الفحوصات سراً، وإنها ستتبرع لي بكليتها، حاولت أن أمنعها، لكنها لم تسمع كلامي، وأصرت قائلة: حياتك أهم من حياتي”.

وتابع: “هكذا أنقذتني وقدمت لي أعظم ما تملك”.

مهنة المتاعب

وبينما يستحضر الأب طفولة ابنته، يتذكر كيف كانت قريبة من قلبه تملأ البيت مرحاً وضحكاً.

وعندما أعلنت رغبتها في دراسة الإعلام، حاول أن يثنيها محذراً من “مهنة المتاعب”، لكنها تمسكت وأكدت أنها لن تتخلى عن حلمها.

سنوات لاحقة، تزوجت مريم وأنجبت طفلها الوحيد غيث، الذي حفته بحنان الأم والتضحية، واحتضنته 12 عاماً لم ترفض له خلالها طلباً.

واليوم، بعد رحيلها، يتأمل الأب صورتها بجواره ويقول: “هي موجودة في قلبي، جزء من جسدها في جسدي بعدما وهبتني كليتها لتنقذ حياتي، مريم كانت حنونة محبة للجميع، يبكيها اليوم كل من عرفها أو سمع قصتها”.

الابتسامة الأخيرة

أما شقيقتها ندى، فروت تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مريم وهي في المستشفى أثناء القصف الإسرائيلي.

تقول ندى إن مريم هرعت، بعد الضربة الإسرائيلية الأولى لتصوير الحدث، وإنها قبل الضربة الثانية كانت تضحك وتلوّح بيدها من الطابق الأخير للمستشفى، “ثم غابت للأبد”.

تضيف: “بعد الضربة الثانية بدأت أصرخ وأنادي عليها، وكانوا يؤكدون لي أن مريم غير موجودة، غير أنني كنت على يقين بأنها هناك، بحثت عنها في أقسام المستشفى دون جدوى، ثم أخبروني بوجود شهيدة مجهولة ترتدي حذاءً أبيض، فقلت: تلك أختي مريم”.

وتتابع: “ذهبت أنظر إليها، كانت ملامحها قد اختفت بفعل الضربة، لكنني تعرفت عليها وقد ارتقت شهيدة”، وحاولت إيقاظها، لكن دون مجيب.

تصف ندى شقيقتها قائلة: “مريم كانت حنونة عليّ، محبوبة بين الناس، تحب عملها كثيراً، أخرجت ابنها غيث إلى أبو ظبي لتأمين مستقبله، وكانت متعلقة به جداً”.

وتكمل: “مريم كانت تتمنى الشهادة، تركت لي أغراضها؛ الكاميرا والهاتف، أحتفظ برائحة أختي فيهما”.

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتفعت حصيلة الصحافيين الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 246 صحفياً.

ويُعد استهداف الجيش الإسرائيلي للصحافيين في مستشفى “ناصر الطبي” في خان يونس جنوب قطاع غزة الثاني في أقل من شهر، بعدما استهدف، في 10 غشت الجاري، 6 صحافيين، بينهم 5 من قناة “الجزيرة”.

واعترف الجيش الإسرائيلي، الإثنين، بقصفه “مستشفى ناصر”، لكنه تهرّب من مسؤوليته عن دماء القتلى، باللجوء إلى الإعلان عن فتح تحقيق عادة ما لا يفضي إلى نتائج.

وفي بيان لمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صادر باللغة الإنكليزية، ادعى أن “إسرائيل تأسف بشدة للحادث المأساوي الذي وقع اليوم (الإثنين) في مستشفى ناصر في غزة”.

وبدعم أمريكي، ترتكب إسرائيل، منذ 7 أكتوبر 2023، إبادة جماعية بغزة تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.

وخلّفت الإبادة 62,966 شهيداً، و159,266 مصاباً من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وأكثر من 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح 317 فلسطينياً بينهم 121 طفلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى