الرئسيةمجتمع

مدارس القرى خارج التغطية و 99% منها بلا صرف صحي

كشف التقرير السنوي لـالمجلس الأعلى للحسابات، المنشور في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، عن صورة مقلقة لوضعية البنية التحتية المدرسية بالعالم القروي، حيث باتت المدرسة في عدد من المناطق الهامشية فضاءً يختزل التفاوتات المجالية والاجتماعية التي ما تزال تنخر المنظومة التعليمية المغربية، فبينما ترفع الدولة شعار تعميم التمدرس وتقريب الخدمات الأساسية، تؤكد الأرقام الرسمية أن جزءاً مهماً من أطفال القرى يتابعون دراستهم في مؤسسات تفتقر إلى أبسط شروط الكرامة والجودة.

و اعتبر التقرير أن البنية التحتية لم تعد مجرد عنصر ثانوي داخل العملية التعليمية، بل تحولت إلى عامل حاسم يؤثر مباشرة في جودة التعلمات، وفي مردودية الأساتذة، وحتى في نسب الاستمرار الدراسي.. فالمؤسسات التي تعاني من هشاشة التجهيزات وضعف المرافق الأساسية تؤثر سلباً على نفسية المدرسين وحافزيتهم المهنية، كما تخلق لدى التلاميذ شعوراً بالإقصاء وعدم تكافؤ الفرص مقارنة بأقرانهم في المدن.

العالم القروي.. مدرسة بلا ماء ولا صرف صحي

يتمثل أخطر ما رصده التقرير في الوضعية الكارثية للمدارس الفرعية بالعالم القروي، التي أصبحت عنواناً صارخاً للفوارق الترابية.. فحوالي 99% من هذه المؤسسات تعاني نقصاً في الربط بشبكات الصرف الصحي، بينما تفتقر 68% منها إلى الماء الصالح للشرب، في حين أن 45% بدون أسوار واقية ملائمة، و38% تواجه مشاكل مرتبطة بالمرافق الصحية.. و تكشف هذه المعطيات أن عدداً من التلاميذ المغاربة ما يزالون يدرسون في ظروف لا تختلف كثيراً عن مؤشرات الهشاشة الاجتماعية التي تسجلها تقارير التنمية البشرية، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى نجاعة السياسات العمومية الموجهة للعالم القروي، خصوصاً بعد سنوات من إطلاق برامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

وتبرز الفجوة بشكل أوضح عند مقارنة المدن بالقرى؛ إذ تصل نسبة ربط المؤسسات التعليمية الحضرية بشبكات الصرف الصحي إلى 80%، مقابل 8% فقط في الوسط القروي، بينما تستفيد 97% من مدارس المدن من الماء الصالح للشرب، مقابل استمرار 42% من مدارس القرى خارج هذه التغطية.

معضلة القرب والجودة.. أي مدرسة يريدها المغرب؟

هذا ووضع التقرير الأصبع على معضلة معقدة تواجه الأكاديميات الجهوية، وتتمثل في الاختيار بين تقريب المدرسة من التلاميذ ولو ببنية تحتية ضعيفة، أو تجميعهم داخل مؤسسات أفضل تجهيزاً لكنها بعيدة عن دواويرهم.. ففي الوقت الذي تظل فيه المدارس الفرعية الخيار الأقرب للأسر القروية، يبقى مستوى تجهيزها متدنياً مقارنة بالمؤسسات الجماعاتية.

ورغم الرهان الرسمي على مشروع المدارس الجماعاتية باعتباره مدخلاً لتجويد التعليم القروي، فإن أثره ظل محدوداً، بعدما لم تستقطب هذه المؤسسات سوى 3% من تلاميذ التعليم الابتدائي بالعالم القروي سنة 2022، ما يعكس استمرار ارتباط الأسر بمدرسة القرب، حتى وإن كانت تفتقر إلى شروط الجودة.

تفاوتات ترابية تهدد مبدأ تكافؤ الفرص

ولم يقف التقرير عند حدود الفوارق بين القرية والمدينة، بل كشف أيضاً تفاوتات حادة بين الأقاليم نفسها، خاصة بالمناطق الجبلية ذات الدواوير المتناثرة مثل شفشاون وتاونات والحوز، حيث تتضاعف صعوبات الولوج إلى التعليم بسبب التضاريس القاسية وضعف البنيات الأساسية.

ويخلص التقرير إلى أن أزمة المدرسة القروية ليست مجرد إشكال تربوي معزول، بل تعبير واضح عن اختلالات تنموية أعمق، تجعل الطفل القروي يؤدي كلفة الجغرافيا والهشاشة الاجتماعية معاً.. لذلك، فإن إصلاح التعليم في المغرب لن يكون ممكناً دون رؤية شمولية تربط المدرسة بالتنمية الترابية، وتتعامل مع الماء والكهرباء والطرق والنقل المدرسي باعتبارها شروطاً أساسية لضمان تعليم عادل ومنصف لجميع الأطفال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى