الرئسيةالكتابثقافة وفنونفكر .. تنوير

من تحليل ميثولوجيا النجوج الى ابتكار “سينما الحقيقة”

بقلم: الناقد السينمائي محمد بكريم

برحيل المفكر – الفيلسوف وعالم الاجتماع – ادغار موران يوم 29 مايو 2026 عن سن 104 سنة، يمكن القول ان صفحة كاملة من تاريخ الثقافة والفكر في زمننا قد طويت.

موران من مؤسسي نظرية ومنهج اتسما برفض الانغلاق والشمولية

لقد كان ينتمي الى ذلك الصنف من المفكرين الذين انخرطوا بكل جوارحهم في تفكير ومقاربة العصر ومجتمعاته. انخراط جعل من ادكار موران من مؤسسي نظرية ومنهج اتسما برفض الانغلاق والشمولية.

وفي صلب هذا الاختيار كان هناك مبدا محوري هو “الربط” بين العلوم والمناهج والقبول بالنسبية والتطور.

ولقد لخص ذلك في طرحه لفكر التعقيد -la pensée complexe- وسلسلة كتب “المنهج” وفي هذا السياق جاء اهتمامه بالسينما مبكرا.

كانت ظروف صحية في طفولته جعلته يجد ملاذا في القراءة ومشاهدة الأفلام. عندما حضر الى طنجة ليترأس احدى دورات المهرجان الوطني للفيلم بادرت بتصوير شريط قصير حول هذا الحضور ومن بين الأشياء التي رواها في هذا السياق أنه عاش فترة طويلة “التهم” فيها عدد كبير من الأفلام وقد أطلق على هذه الفترة مرحلة “السينيفيلية المتوحشة – cinéphage-” قبل أن تأتي مرحلة الوعي “السينيفيليي الخالص”.

وموران لم يحضر فقط الى طنجة بل كان “مغربيا” بشكل ما …لقد حضر الى خريبكة وشارك في تظاهرة السينما الافريقية بحكم علاقته القوية مع نور الدين الصايل (أول مرة أرى فيها الصايل باكيا على المباشرة عندما فاجأه الصحافي كمال منتصر بشهادة حوله جد مؤثرة لإدغار موران) …

وكان وجها مألوفا في العديد من دورات مهرجان مراكش بل وخصص فقرة للسينما المغربية “كسينما صاعدة” في كتابه “النهج”.

جعل من مراكش وطنه الثاني

وجعل من مراكش “وطنه” الثاني (قام بتسجيل حواره الشهير مع طارق رمضان مدينة النخيل) … لقد كان التفكير – التفكر الذي مارسه على السينما تحليليا تركيبيا يرفض الانغلاق في المناهج “المستبدة”.

ولعل اهتمامه المبكر بظاهرة النجوم تعلن عن طبيعة علاقته بالفن السابع أي أننا امام اجتهادات أو قراءات عاشقة.

ففي عام 1957، ومن خلال كتابه “النجوم” (Les Stars)، يحلل إدغار موران النظام الهوليوودي ليس كصناعة بسيطة فحسب، بل كآلة أسطورية حقيقية.

النجم هو كائن هجين؛ فهو في آن واحد “إله” أوليمبي (يتسم بالسمو، وعدم القدرة على الوصول إليه، والخلود عبر شريط الفيلم) وكائن بشري قريب منا (نتابع حياته الخاصة، وعلاقاته العاطفية، وإخفاقاته).

يكرس المشاهدون عبادة حقيقية للنجوم، تشبه طقوس الديانات القديمة.

فالنجم يمثل نموذجاً سلوكياً ووعاءً تتصب فيه محبة الجماهير. يلاحظ موران أن النجم “يُعدي” -contamine – دوره، والعكس صحيح. فنحن لم نعد نرى جيمس دين كشخص، بل نرى صورة “الشباب الثائر” التي بقيت حية متجاوزةً حياة الممثل نفسه.

المحطة الثانية البارزة في علاقته بالسينما هي تجربته الرائدة مع جان روش في انتاج وإخراج الفيلم الرائد “وقائع صيف” (1961). لقد قرر موران، عالم الاجتماع وجان رُوش، الاثنوجرافي، تصوير الحياة اليومية في باريس.

انطلق الفيلم بدون سيناريو وكان الاشتغال على سؤال مركزي الذي طُرح على المارة والذي أصبح مشهوراً: “كيف تعيش؟ هل أنت سعيد؟” فكانت النتيجة ثورة حقيقية جماليا وتقنيا.

وتجلى ذلك في القطيعة مع الفيلم الوثائقي التقليدي: على عكس الوثائقيات في ذلك الوقت التي كانت تطمح إلى أن تكون ملاحظة غير مرئية (“ذبابة على الجدار”)، تدخل موران ورُوش في الأحداث؛ حيث قاما بتحفيز النقاش، وتناول الغداء مع أبطال الفيلم، وأصبحا جزءاً لا يتجزأ منه.

استخدام كاميرا خفيفة وجهاز تسجيل صوتي يعمل بالكوارتز

وتقنيا للمرة الأولى، تم استخدام كاميرا خفيفة وجهاز تسجيل صوتي يعمل بالكوارتز، مما سمح بتسجيل الصوت بشكل متزامن أثناء المشي.

وقد أدى ذلك إلى تحرير الكلام والحركة. هذا الأسلوب بل هذا الاكتشاف سمح بميلاد مفهوم “سينما الحقيقة” (Cinéma-Vérité) والتي تحمل البوادر الأولى لميلاد تيارات سينمائية “حداثية” وأبرزها “الموجة الجديدة الفرنسية”.

ويرجع الفضل الى ادكار موران الذي ابتكر هذا المصطلح بنفسه، تكريماً لـ “كينو-برافدا” للمخرج السوفياتي دزيغا فيرتوف، ولكن بلمسة جوهرية: الحقيقة ليست ما تلتقطه الكاميرا بشكل سلبي، بل ما تستحثه وتُظهره.

ومن خصائص “سينما الحقيقية” صدق “الأداء”. يطبق موران هنا أطروحاته من كتابه “الإنسان المتخيل”: بما أننا نلعب جميعاً أدواراً في الحياة، فإن السينما تتيح لنا أن نصبح “أكثر صدقاً” من خلال تمثيل دورنا الخاص بوعي.

تُمثل أعمال إدغار موران وجان رُوش جسراً فلسفياً يربط بين واقع الإنسان وتخيّلاته؛ فبينما كشف موران في دراسته للنجوم عن تحويل السينما لأبطالها إلى “آلهة” معاصرة تمنح الجماهير نموذجاً للتماهي والعبادة، انتقل في “سينما الحقيقة” إلى قلب الواقع ليعيد اكتشاف الإنسان في تفاصيله اليومية.

إن الرابط الجوهري بين المفهومين يكمن في فكرة “المسرحة”؛ فكما يتقمص النجم دوراً أسطورياً في هوليوود، يتقمص المواطن العادي دوراً في سينما الحقيقة ليواجه الكاميرا. وبذلك، تصبح السينما عند موران أداة لتحرير الذات.

اقرأ أيضا…

رحيل آخر عمالقة الفكر..موت فيلسوف التعقيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى