
في مشهد يختزل تناقضات السياسة الاقتصادية بالمغرب، أعلن عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، عن طلب استعجاله الحكومة لإخراج مشروع قانون تقنين العملات الرقمية وإحالته على البرلمان، في وقت لا تزال فيه فئات واسعة من المغاربة تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة..
المشروع،الذي صيغ بتنسيق مع البنك وصندوق النقد الدوليين، يطرح علامات استفهام عريضة حول أولويات الدولة وقدرتها على موازنة الإصلاحات المالية مع متطلبات الواقع اليومي للمواطنين.
سباق الزمن لتقنين العملات الرقمية في المغرب
كشف الجواهري، في ندوة صحافية أعقبت اجتماع مجلس البنك، أن النص القانوني جاهز ويوجد حالياً لدى الأمانة العامة للحكومة، مطالباً باعتباره ضمن قائمة الأولويات التشريعية، حتى يتم عرضه سريعاً على البرلمان..
وأكد والي البنك، أن المغرب استند في صياغة هذا المشروع إلى تجارب دولية وتوصيات مجموعة العشرين، في محاولة لإظهار أن المملكة تواكب التحولات المالية العالمية، لكنه لم يتطرق كثيراً إلى الأرقام المرتبطة بواقع المغاربة مع العملات الرقمية، حيث تشير الاحصائيات أن المغرب يحتل مراكز متقدمة في إفريقيا من حيث عدد المتداولين بالبيتكوين والعملات المشفرة، رغم أن السوق ما يزال في المنطقة الرمادية قانونياً.
مفارقة الأولويات: بين القانون الرقمي وأزمات الواقع
المثير في خطاب والي بنك المغرب أنه يضع مشروع القانون في خانة الأولويات القصوى للبرلمان، في وقت ما زالت ملفات حارقة مثل التعليم والصحة والتشغيل تتذيل سلم الإصلاحات.
فهل صارت العملات الرقمية أخطر على استقرار المغرب من أزمة قطاع الصحة التي خرجت بسببها مسيرات و احتجاجات في ربوع المملكة.. أم انها أخطر من أزمة البطالة التي بلغت حسب المندوبية السامية للتخطيط أكثر من 13% وطنياً وتجاوزت 30% بين الشباب؟ أم أن الرقابة المالية تسبق دائماً الرقابة الاجتماعية في قاموس الدولة؟
واقع غير مقنن وأرقام مقلقة
في ذات السياق ،كشف تقرير صادر عن منصة “Triple A” المتخصصة في بيانات العملات الرقمية، أن نحو 1.15 مليون مغربي يستعملون العملات الرقمية، أي ما يقارب 3% من السكان، وهو رقم لافت في بلد لا يتجاوز فيه معدل الشمول المالي الرسمي 44% وفق أرقام بنك المغرب نفسه.. هذه الأرقام، وإن كانت تعكس تعطش الشباب لبدائل مالية جديدة، فإنها تكشف في الآن ذاته هشاشة الرقابة وضعف قدرة الدولة على ضبط حركة الأموال في فضاء افتراضي لا تعترف به التشريعات الحالية.
المثير للسخرية، في الأمر أن المغرب، الذي لم ينجح بعد في توفير الشفافية الكافية لحماية المواطنين من لوبيات المحروقات والاحتكار والشناقة، يسعى اليوم لإرساء “إطار تشريعي متقدم” للعملات الرقمية.. أي أن الدولة التي عجزت عن ضبط سوق البصل والبطاطس، تريد أن تضبط سوق البتكوين، بكل ما يحمله من مخاطر وغموض وتذبذب.
نقاش وطني أم قرار فوقي؟
و رغم أن الجواهري أكد أن المشروع “ليس مجرد اجتهاد داخلي” بل حظي بدعم مباشر من البنك وصندوق النقد الدوليين، إلا أن ذلك يطرح أسئلة حول السيادة الاقتصادية وقدرة المغرب على صياغة سياساته المالية بعيداً عن ضغوط المؤسسات الدولية.. فالتجارب السابقة، خاصة في قضايا تتعلق بتحرير أسعار المحروقات أو سياسات الاستدانة، أظهرت أن الرهان على توجيهات هذه المؤسسات لا يخلو من كلفة اجتماعية باهظة.
في المقابل، يرى خبراء أن تقنين العملات الرقمية قد يشكل فرصة لفتح قنوات استثمارية جديدة للشباب، خصوصاً في ظل بطالة حاملي الشهادات التي تجاوزت 19% سنة 2024 وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط.. لكنهم يحذرون من أن غياب آليات واضحة لحماية المستهلك قد يحول العملات المشفرة إلى فخ مالي يزيد من حدة الفوارق الاجتماعية، ويعزز المخاطر المرتبطة بتبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه هو: هل تملك الحكومة فعلاً رؤية واضحة لكيفية إدماج العملات الرقمية في الاقتصاد الوطني بما يخدم مصلحة المواطن العادي، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة جديدة لإرضاء المؤسسات الدولية وإظهار “الحداثة المالية” في بلد ما يزال 30% من سكانه يعيشون في الهشاشة وفق تقارير رسمية؟
ما بين الطموح والريبة
الجواهري ختم مداخلته بالدعوة إلى فتح نقاش وطني حول المشروع، لكنه لم يوضح إن كان هذا النقاش سيشمل فاعلين اقتصاديين واجتماعيين مستقلين، أم سيظل حكراً على دوائر مغلقة تتحرك تحت سقف التعليمات، فالمغاربة، الذين تعودوا على أن القوانين المالية تُطبخ بعيداً عن أنظارهم، قد يجدون أنفسهم مجدداً أمام إطار قانوني يخص حياتهم الاقتصادية، من دون أن يكون لهم فيه رأي أو صوت.
أي عملة يحتاجها المواطن؟
في نهاية المطاف، يظهر أن “العملة الرقمية” أصبحت ورقة جديدة في مشهد اقتصادي وسياسي معقد، حيث تلتقي طموحات الحداثة المالية مع تحديات البطالة والفقر والديون الخارجية التي بلغت 130 مليار دولار حسب آخر بيانات رسمية، وبينما يسارع بنك المغرب لإخراج هذا القانون، يبقى السؤال الأهم: أي عملة حقيقية يحتاجها المواطن اليوم؟ هل هي “البيتكوين” و”الإيثيريوم”، أم “عملة” التشغيل والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية؟
اقرأ أيضا…
“البيتكوين تُغيّر خريطة الثراء العالمي: من المضاربة إلى تشكيل مليونيرات جدد




