
بقلم بثينة المكودي
منذ دجنبر 2013، حين صدر المرسوم رقم 2.13.852 المتعلق بتحديد أسعار بيع الأدوية للعموم، ساد انطباع عام بأن المغرب مقبل على لحظة إصلاح حقيقية في مجال طالما أثقل كاهل الأسر، وجعل العلاج امتياز أكثر منه حق، غير أن ما تلا ذلك لم يكن سوى مسار بطيء، متعثر، ومثير للأسئلة، إلى حد أن المرسوم نفسه بات اليوم موضوع مساءلة بدل أن يكون أداة إنصاف.
المرسوم، الذي دخل حيز التنفيذ فعليا سنة 2014، حمل بوعود كبيرة خفض أسعار الأدوية، وعقلنة السوق، وتحقيق نوع من العدالة الدوائية، لكن بعد ما يقارب عقد من الزمن، تكشف الأرقام أن الفعل كان أبطأ بكثير من النص، وأن التطبيق لم يرق إلى حجم الانتظارات الاجتماعية والصحية.
فحسب تحقيق أنجزه الزميل الصحافي يوسف الحيرش، فإن مراجعات مديرية الأدوية والصيدلة ما بين 2014 و2023 لم تشمل سوى 3923 دواء من أصل 7876 دواء معني بالمراجعة، رقم يبدو تقني، لكنه سياسي بامتياز فحين تتوقف المراجعة عند نصف السوق تقريبا، فنحن أمام إصلاح يتقدم بنصف خطوة، ويترك النصف الآخر رهينة الانتظار.
الأكثر إثارة للجدل أن هذه المراجعات، القليلة أصلا، لم تستهدف الأدوية الباهظة الثمن، خصوصا تلك التي تدخل في علاج السرطان والأمراض المزمنة، وهنا تتكثف المفارقة؛ المرسوم الذي يفترض أنه ينحاز لجيب المواطن، لا يلامس عمليا الأدوية التي تنزف جيبه أكثر من غيرها، كأن السياسة الدوائية تقول للمريض سنخفف عنك شكلا، لكن من حيث الموضوع وصلب فاتورتك العلاجية سنتركه كما هو.
إصلاح بطيء أم هندسة تأجيل؟
التحليل العميق يبدأ من سؤال “البطء” هل هو مجرد تعثر إداري، أم نتيجة هندسة تُفضّل الإبطاء لأن تسعير الدواء ليس قرار تقني فحسب، بل قرار يمس موازين ربح، وشبكات توزيع، وعلاقات قوة داخل سوق شديد الحساسية؟
فجدير بالذكر أن تسعير الأدوية، خصوصا الباهظة الثمن، يمس مباشرة توازنات كبرى، ولوبيات الشركات والمختبرات، واحتكار بعض الجزيئات،و كلفة البحث والتطوير التي تُستعمل أحيانا كذريعة ثابتة، وهوامش ربح حلقات التوزيع، وتأثير الأدوية المستوردة حين ترتفع كلفة الاستيراد وتتغير شروط التزويد العالمي.
حيث في هذا المجال، لا تُقاس السياسة بنواياها، بل بقدرتها على خلق توازن جديد، توازن يربح فيه الجميع دون أن يدفع المريض الثمن وحده،
وحين تغيب المراجعة الشاملة، يصبح السعر آلية لإعادة توزيع العبء يُحمّل للمستهلك بدل أن يتحمل جزء منه النظام عبر مفاوضة أقوى، أو دعم ذكي، أو سياسة جنيسة حقيقية.
إصلاح بطيء أم تفعيل انتقائي؟
الحديث عن البطء لا يمكن اختزاله في تعقيدات إدارية أو نقص في الموارد، فحين يستمر هذا البطء لعشر سنوات تقريبا، ويترافق مع انتقائية واضحة في استهداف الأدوية، يصبح من المشروع طرح فرضية أخرى أكثر عمقا “منطق القوة داخل السوق الدوائي”.
تسعير الدواء ليس عملية محاسباتية محضة، بل قرار سياسي بامتياز، تتقاطع فيه اعتبارات الصحة العمومية مع مصالح اقتصادية ضخمة، وفي هذا التقاطع بالذات، يبرز لوبي الأدوية كفاعل غير مرئي في النصوص، لكنه حاضر بقوة في النتائج.
حين يُملي لوبي الدواء حدود السياسة
لوبي الأدوية لا يعني بالضرورة تنظيم سري أو مؤامرة مغلقة، بل شبكة مصالح متداخلة تضم مختبرات متعددة الجنسيات، مستوردين حصريين لجزيئات معينة، فاعلين كبار في التوزيع، وقنوات تأثير ناعمة داخل دوائر القرار.
قوة هذا اللوبي لا تُمارَس عبر المواجهة العلنية، بل عبر التحكم في إيقاع السوق، بالتلويح بندرة التزويد،وتأخير إدخال أدوية جديدة، أو ربط استمرارية بعض العلاجات الحساسة بشروط تسعير “غير قابلة للنقاش”.
في هذا السياق، تتحول أدوية السرطان والأمراض المزمنة إلى خط أحمر غير معلن، أي محاولة لمراجعة أسعارها تُقابَل بحسابات دقيقة للمخاط، هل نغامر بتوتر في التزويد؟ هل نفتح جبهة مع فاعلين يملكون القدرة على خنق السوق؟ وفي الغالب يُحسم الجواب لصالح منطق “تفادي الصدام”، حتى وإن كان الثمن هو استمرار أسعار تثقل كاهل المرضى.
مرسوم بلا أنياب “يهش ولا ينش”
المرسوم 2.13.852، في حد ذاته، لم يكن ضعيف كنص، لكن قوته جرى تحييدها في التطبيق، فاللوبي لا يُسقط القوانين، بل يفرغها من مضمونها عبر الإبطاء، والتجزئة، وإعادة ترتيب الأولويات.
هكذا، تراجع أسعار آلاف الأدوية ذات الكلفة المحدودة نسبيا، بينما تترك الأدوية الأكثر ربحا، والأشد حساسية اجتماعيًا، خارج دائرة المراجعة، إصلاح آمن، لا يزعج موازين السوق، لكنه لا يلامس جوهر المشكلة.
والنتيجة سياسة دوائية تُراكم الأرقام دون أن تُحدث أثرًا ملموس في حياة المرضى، ومراسيم تُفعل جزئيا، بلغة تقنية مطمئنة، بينما يظل العبء الحقيقي ثابت، إن لم يكن في تصاعد.
من تنظيم السوق إلى تدبير الاختلال
في ظل هذا الوضع، تنزلق الدولة من دورها كمنظم صارم للسوق إلى دور المدبر الحذر لاختلالاته، بدل فرض قواعد عادلة توازن بين الربح والحق في الصحة، تُصبح السياسة الدوائية تمرين دائم على إدارة التوتر مع لوبي قوي، على حساب المريض.
الأخطر أن هذا المنطق يُنتج سابقة سياسية، ما لا يُراجع اليوم بسبب “الحساسية” يتحول غدا إلى قاعدة غير قابلة للمساءلة، وهكذا، يُرسَّخ ضمنيا أن بعض أسعار الدواء فوق النقاش، وفوق المرسوم، بل وفوق الحق في العلاج نفسه.
المرض كمسار نحو الفقر
غياب مراجعة الأدوية الباهظة لا ينعكس فقط على فواتير الصيدليات، بل يُنتج ما يمكن تسميته بـالفقر العلاجي، أسرٌ تنزلق إلى الهشاشة بسبب مرض مزمن أو سرطان داخل البيت، فتستدين، وتبيع ممتلكاتها، وتؤجل الجرعات، أو تنقطع عن العلاج، ولاحقًا، تدفع المنظومة الصحية الثمن في شكل مضاعفات، واستشفاء أطول، وكلفة عمومية أعلى.
هنا، لا يعود السؤال تقني، بل أخلاقي أي معنى للحديث عن تعميم الحماية الاجتماعية، إذا ظل ثمن الدواء، خصوصًا المنقذ للحياة، خارج منطق العدالة؟
من يملك القرار؟
ما تكشفه تجربة تفعيل المرسوم 2.13.852 ليس فقط خلل في الإيقاع، بل اختلال في ميزان السلطة داخل السوق الدوائي، فحين لا تتجاوز المراجعات 3923 دواء من أصل 7876 خلال عشر سنوات، وحين تستثنى الأدوية الباهظة المرتبطة بالحياة والموت، فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا تأخر الإصلاح؟
بل من يملك القدرة على جعله بطيئًا وانتقائيًا؟
الإجابة تمر عبر تفكيك نفوذ لوبي الأدوية، وتعزيز قدرة الدولة على التفاوض والفرض، وربط تسعير الدواء بالمنفعة العلاجية والقدرة الشرائية، لا فقط بمنطق السوق، ودون ذلك، سيظل المرسوم نص أنيق… فيما يظل الدواء عبئ يومي على أجساد وكرامة المرضى





