
شهدت الأسواق المالية الإفريقية مؤخراً تصدر الدرهم المغربي قائمة العملات القوية، حيث حل في المرتبة الثالثة قارياً وفق تصنيف موقع “تريبيون أونلاين” النيجيري لشهر يناير 2026، في مؤشر يعكس متانة الاقتصاد الوطني وارتفاع ثقة المستثمرين في المغرب.. ويأتي هذا الإنجاز في وقت يسعى فيه المغرب لتعزيز دوره كمركز اقتصادي إقليمي، مع سياسات مالية ونقدية متوازنة تشجع على الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
قوة العملات: أكثر من مجرد سعر صرف
استند التصنيف إلى معطيات حاسبة العملات لمجلة “فوربس” ، مؤكدًا أن قوة العملات لا تُقاس فقط بأسعار الصرف أمام الدولار أو العملات الأخرى، بل تعكس عمق الانضباط المالي للدولة وفعالية سياساتها النقدية وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ويرى الخبراء أن تقييم العملات القوية يجب أن يشمل استدامة الثقة الاستثمارية، والقدرة على مقاومة تقلبات الأسواق العالمية، إضافة إلى إدارة الدين العام والسيطرة على التضخم، وهي عوامل تجعل من الدرهم المغربي عملة مرموقة على المستوى القاري.
التجربة التونسية والليبية: دروس للاستقرار والموارد
أظهر التصنيف أن الدينار التونسي حافظ على الصدارة، مدعوماً بسياسات صارمة للرقابة على الصرف والجهود المتواصلة لمكافحة التضخم، حيث جرى تداوله عند 2.86 دينار مقابل الدولار، وتبرز تونس كنموذج لاقتصاد يسعى لتحقيق توازن بين الاستقرار النقدي وتحفيز النمو الاقتصادي رغم التحديات الداخلية.. و من جهة أخرى، جاء الدينار الليبي في المرتبة الثانية، مستفيداً من العائدات النفطية الضخمة، رغم حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها البلاد، وسعر صرف بلغ 6.31 دينار ليبي مقابل الدولار الأمريكي، ما يوضح أن الموارد الطبيعية يمكن أن تدعم قوة العملة حتى في ظل تقلبات سياسية.
الاقتصاد الوطني: قوة الدرهم أم تحديات ملموسة؟
يوضح الدكتور عبد الحق مرزوق، أستاذ الاقتصاد بجامعة الحسن الثاني: “قوة الدرهم مؤشر إيجابي، لكنه لا يعكس بالضرورة قوة جيوب المواطنين، فالاقتصاد الوطني يواجه تحديات في التشغيل، و الاستثمار الصناعي، وتنويع الصادرات”.. إضافة إلى تعثر القدرة الشرائية للمواطن التي ماتزال معرضة لتقلبات أسعار المواد الأساسية، ما يجعل تصنيف الدرهم مجرد مؤشر إعلامي أكثر منه انعكاساً حقيقياً للاقتصاد.
السياسة والاقتصاد: الدرهم مرآة الطموحات الإفريقية
في الأبعاد السياسية، يعكس تصدر الدرهم حضور المغرب المتزايد على الساحة الإفريقية، وتعزيز ثقة المستثمرين الأجانب في السوق المغربي، وهو ما يتوازى مع استراتيجيات المملكة في القارة، خاصة في الاستثمار والمبادرات الاقتصادية المشتركة.. ورغم هذا، فإن النقد اللاذع يظل قائمًا: فالتصنيف لا يحجب مشكلات البطالة، و تزايد الأسعار في المدن الكبرى، والحاجة الملحة لإصلاحات هيكلية حقيقية تجعل قوة الدرهم قوة مجسدة للاقتصاد وليس مجرد إشارة مؤقتة للمستثمر.
في نهاية المطاف، الدرهم المغربي يلمع في التصنيفات القارية، لكنه يطرح تساؤلات عميقة حول العلاقة بين قوة العملة والاقتصاد الوطني الفعلي، وما إذا كانت هذه القوة على الورق ستتحول يومًا إلى رفاهية ملموسة للمواطن المغربي العادي




