
محمد حربي: ذاكرة الثورة الجزائرية في المنفى+فيديو
وُلد محمد حربي في 16 يونيو 1933 في سكيكدة، شرق الجزائر، ليصبح لاحقا شاهدا ومشاركا في مرحلة حاسمة من تاريخ بلاده. انخرط شابا في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، قبل أن ينتقل إلى باريس للدراسة والانضمام إلى فرع جبهة التحرير الوطني، حيث بدأ دورا فاعلا في دعم نضال الجزائر من الخارج، متعاونا مع شبكات أوروبية سرية وأبرزها التروتسكيون في بلجيكا وألمانيا، إلى جانب ميشال رابتيس (بابلو) الذي دعم الثورة بالمال والسلاح والفكر.
شارك في مفاوضات إيفيان التي مهدت لاستقلال الجزائر في 1962
خلال الثورة، عمل حربي في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى جانب كريم بلقاسم، وساهم في تنسيق الدعم الدولي لنضال التحرير، ثم شغل مناصب عدة، أبرزها مدير الديوان المدني لوزارة القوات المسلحة، ومشاركته في مفاوضات إيفيان التي مهّدت لاستقلال الجزائر في 1962.
بعد الاستقلال، انخرط حربي في العمل الحكومي مع أحمد بن بلة، إلا أن انقلاب 1965 الذي أطاح بالحكومة جعله معارضا لنظام هواري بومدين، ما أدى إلى سجنه ونفيه إلى مناطق عدة في الجزائر، قبل أن يفر إلى فرنسا عام 1970، حيث وجد ملاذه للتعليم والبحث الأكاديمي.
كرس حربي حياته للكتابة والتدريس
كرس حربي حياته للكتابة والتدريس، فخرجت أعماله كمذكراته “حياة صمود” (2001)، و”تاريخ الجزائر” بالاشتراك مع المؤرخ الفرنسي بنجامين ستور، و”جبهة التحرير الوطني، السراب والواقع” (1980)، الذي أثار جدلا واسعا حول تاريخ الثورة الجزائرية وصراعات السلطة التي أعقبتها.
تميزت حياة حربي بقدرته على الجمع بين النضال السياسي والبحث التاريخي، فكان شاهدا مباشرا على صراعات السلطة منذ وقف إطلاق النار وحتى الاستقلال، ولاحقا على تحولات الدولة الجزائرية بعده. في فرنسا، واصل التأمل والكتابة، وجعل من المنفى مسكنا وفضاء للإبداع والمقاومة الفكرية، مؤكدا أن شهادته هي استمرار لمعركة التحرر التي عاشها منذ شبابه.
عرف محمد حربي بكتاباته النقدية حول تاريخ الحركة الوطنية وجبهة التحرير الوطني والثورة الجزائرية، مبتعداً عن السرديات الرسمية، ما جعله دائماً محل جدل.
نعاه نخبة من السياسيين والمفكرين، من بينهم الدكتور لخضر أمقران، رئيس حزب جيل جديد، الذي وصفه بالمناضل المبكر والمؤرخ المرجعي، مؤكدا أن رحيله يمثل خسارة للذاكرة الوطنية والنقاش الفكري حول الثورة والدولة.
وأكد الصحافي نجيب بلحيمر على أهمية نشر أعماله داخل الجزائر وترجمتها للعربية، لضمان استفادة الأجيال الحالية والقادمة من ملاحظاته التاريخية والفكرية، رغم الخلافات التي أثارتها بعض كتاباته.
رحل محمد حربي عن عالمنا عن 93 عاما في باريس، بعد إصابته بالتهاب رئوي، تاركًا إرثًا نضاليًا وأكاديميًا غنيًا يروي تاريخ الجزائر من منظور مباشر ومؤرخ مُحايد وشجاع.





