الرئسيةبيئةسياسة

إخباري تحليلي: أمطار قياسية وسدود ممتلئة…هل الدولة مستعدة؟

تؤكد التساقطات المطرية الاستثنائية التي تشهدها مناطق واسعة من المغرب تحولا واضحا في وضعية الموارد المائية، بعدما واصلت إنعاش المخزون الوطني للسدود ورفعت حقينتها الإجمالية إلى 61.8 في المائة، بواردات مائية ناهزت 10.3 مليارات متر مكعب إلى غاية يوم الأربعاء 4 فبراير 2026، مع تسجيل تجاوز عدد من السدود لطاقة استيعابها، خاصة على مستوى الحوض المائي اللوكوس.

ارتفعت نسبة ملء سد الشريف الإدريسي إلى 85 في المائة

وسجل سد وادي المخازن بلوغ نسبة الملء 100 في المائة، مقابل 68 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بحجم تخزين يصل إلى 672 مليون متر مكعب، وفق معطيات منصة “الما ديالنا” التابعة لوزارة التجهيز والماء.

كما ارتفعت نسبة ملء سد الشريف الإدريسي إلى 85 في المائة، مقارنة بـ79 في المائة السنة الماضية، بحجم 103 ملايين متر مكعب، فيما بلغ سد دار خروفة نسبة 67 في المائة مقابل 13 في المائة فقط خلال السنة الماضية، بحجم تخزين قدره 324 مليون متر مكعب.

وفي حوض سبو، واصل سد الوحدة تسجيل أرقام لافتة، إذ بلغت نسبة ملئه 84 في المائة مقابل 39 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بحجم تخزين يناهز 2991 مليون متر مكعب. كما سجل سد إدريس الأول نسبة 71 في المائة مقابل 24 في المائة، بحجم 812 مليون متر مكعب، بينما بلغ سد أسفالو نسبة ملء قدرها 44 في المائة مقابل 35 في المائة، بحجم 124 مليون متر مكعب.

سجل سد محمد الخامس قفزة كبيرة بنسبة 83 في المائة

أما سد الحسن الثاني، فقد وصلت نسبة ملئه إلى 28 في المائة مقابل 15 في المائة السنة الماضية، بحجم 112 مليون متر مكعب، في حين سجل سد محمد الخامس قفزة كبيرة بنسبة 83 في المائة مقابل 12 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بحجم تخزين بلغ 137 مليون متر مكعب.

وعلى مستوى حوض أبي رقراق، اقترب سد سيدي محمد بن عبد الله من الامتلاء الكامل بنسبة 95 في المائة، مقابل 39 في المائة السنة الماضية، بحجم تخزين يناهز 934 مليون متر مكعب، بينما بلغت نسبة ملء سد تامسنا 84 في المائة مقابل 34 في المائة، بحجم 47 مليون متر مكعب.

وفي حوض أم الربيع، ارتفعت نسبة ملء سد بين الويدان إلى 47 في المائة مقابل 5 في المائة خلال السنة الماضية، بحجم 576 مليون متر مكعب، وسجّل سد المسيرة 15 في المائة مقابل 1 في المائة، بحجم 422 مليون متر مكعب، في حين بلغ سد أحمد الحنصالي نسبة 74 في المائة مقابل 5 في المائة، بحجم تخزين قدره 494 مليون متر مكعب.

سجل سد محمد الخامس قفزة كبيرة بنسبة 83 في المائة

أما بحوض كير–زيز–غريس، فقد بلغت نسبة ملء سد حسن الداخل 75 في المائة مقابل 62 في المائة السنة الماضية، بحجم 237 مليون متر مكعب، فيما سجل سد محمد الخامس قفزة كبيرة بنسبة 83 في المائة مقابل 32 في المائة، بحجم 80 مليون متر مكعب.

وفي حوض تانسيفت، وصلت نسبة ملء سد مولاي عبد الرحمان إلى 96 في المائة مقابل 40 في المائة السنة الماضية، بحجم 61 مليون متر مكعب، بينما بلغت نسبة ملء سد يعقوب المنصور 87 في المائة مقابل 50 في المائة، بحجم 60 مليون متر مكعب.

وبخصوص حوض درعة–واد نون، سجّل سد منصور الذهبي نسبة ملء بلغت 36 في المائة مقابل 43 في المائة السنة الماضية، بحجم 160 مليون متر مكعب، في حين استقر سد السلطان مولاي علي الشريف عند 19 في المائة، وهي النسبة نفسها المسجلة خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية، بحجم 55 مليون متر مكعب.

وفي حوض سوس–ماسة، ارتفعت نسبة ملء سد يوسف بن تاشفين إلى 48 في المائة مقابل 11 في المائة السنة الماضية، بحجم 144 مليون متر مكعب، كما بلغ سد عبد المومن 28 في المائة مقابل 4 في المائة، بحجم 55 مليون متر مكعب، فيما اقترب سد مولاي عبد الله من الامتلاء الكامل بنسبة 99 في المائة مقابل 26 في المائة خلال السنة الماضية، بحجم تخزين ناهز 90 مليون متر مكعب.

السؤال الجوهري لا يتعلق بكمية المياه بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة على تدبيرها

تكشف الأرقام القياسية لامتلاء السدود أن المغرب انتقل، في أسابيع قليلة، من خطاب الندرة إلى واقع الوفرة المفاجئة، لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بكمية المياه بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة على تدبيرها.

فامتلاء سدود كبرى، بعضها تجاوز طاقته الاستيعابية، ليس بالضرورة خبرا مطمئنا إذا لم يُواكب بحكامة دقيقة، وتنسيق استباقي، وتواصل شفاف مع الساكنة.

الجاهزية الحقيقية لا تُقاس بنسبة الملء، بل بقدرة المؤسسات على التحكم في الفائض، حماية المناطق السفلى من مخاطر الفيضانات، وضمان سلامة المنشآت، خصوصا في الأحواض الحساسة التي شهدت ضغطا مائيا استثنائيا.

كما تُختبر الجاهزية في سرعة اتخاذ القرار، ووضوح المسؤوليات بين المتدخلين، وليس في البلاغات المتأخرة أو الأرقام المجردة.

ثم إن الوفرة الظرفية لا تلغي هشاشة المنظومة المائية على المدى المتوسط. فسنوات الجفاف المتتالية أظهرت حدود التخطيط القائم على رد الفعل، وأبرزت الحاجة إلى سياسات تخزين ذكية، وربط فعلي بين السدود، وتسريع مشاريع التحلية، وإعادة استعمال المياه العادمة، بدل التعامل مع الأمطار كـ«منقذ مؤقت».

في المحصلة، تكشف أمطار هذا الموسم فرصة نادرة لاختبار الدولة: إما تحويل الوفرة إلى مكسب استراتيجي مستدام، أو تكرار سيناريو الاطمئنان السريع الذي يعقبه نسيان الإصلاح إلى أن تعود الأزمة من جديد. الاستعداد، هنا، ليس تقنية فقط… بل قرار سياسي في توقيته وحجمه وجرأته.

تطرح الفيضانات المتكررة وعمليات التصريف الاضطراري للمياه نحو البحر سؤالا جوهريا حول جاهزية السدود المغربية لاستقبال أمطار غزيرة واستثنائية كما هو الحال اليوم، بدل الاكتفاء بدور “تفريغ الخطر” ولو على حساب ضياع احتياطي مائي ثمين.

لا يُفترض أن تكون السدود مجرد خزانات ممتلئة بل أدوات ذكية لتدبير الفائض

من الناحية التقنية، لا يُفترض أن تكون السدود مجرد خزانات ممتلئة، بل أدوات ذكية لتدبير الفائض، غير أن الواقع يُظهر محدودية الطاقة الاستيعابية الفعلية لعدد من المنشآت، إما بسبب تقادم البنية، أو تراكم الأوحال، أو غياب منظومة متكاملة لتوزيع الضغط بين السدود داخل الحوض الواحد، وهنا يتحول التصريف نحو البحر إلى حل اضطراري سريع، لا إلى خيار استراتيجي محسوب.

كما تكشف هذه الوضعية ضعف الربط البيني بين السدود، وغياب شبكات تحويل مرنة تسمح بنقل الفائض من الأحواض المشبعة إلى أخرى تعاني خصاصا بنيويا.

فبينما تُفرغ كميات ضخمة من المياه لتفادي الانهيار أو الفيضانات، تبقى مناطق أخرى رهينة العطش أو الاستنزاف المفرط للفرشات المائية.

الإشكال لا يرتبط فقط بالمطر “الاستثنائي” بل بمنطق تدبير ما قبل الأزمة

الأهم أن هذا الإشكال لا يرتبط فقط بالمطر “الاستثنائي”، بل بمنطق تدبير ما قبل الأزمة.

فسنوات الجفاف الطويلة كان يفترض أن تُستثمر في تعميق السدود، تسريع إزالة الأوحال، توسيع الحقينات الجانبية، وبناء منشآت مكملة لتخزين الفائض، بدل انتظار لحظة الامتلاء القصوى ثم اللجوء إلى التفريغ القسري.

خلاصة القول إن ضياع المياه في البحر ليس قدرا طبيعيا، بل نتيجة اختيارات تقنية ومؤسساتية. وأمطار اليوم، رغم مخاطرها، تشكل اختبارا صارخا لقدرة الدولة على الانتقال من منطق تدبير الخطر الآني إلى منطق بناء احتياطي مائي استراتيجي، يضمن الأمن المائي في سنوات الجفاف المقبلة لاقدر الله، بدل إهدار فرصة قد لا تتكرر قريبا، ومرة أخرى لا قدر الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى