
بينما تتدفق السيول في عدد من مناطق المغرب وترتفع منسوبات بعض الوديان، تعيش جماعة الروحا بإقليم زاكورة على وقع عطش قاسٍ يهدد واحات النخيل ويخنق الفلاحة المعيشية التي تشكل شريان الحياة بالمنطقة، مفارقة مناخية صارخة تعري هشاشة المنظومة الواحاتية بحوض واد درعة، وتعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية في توزيع الموارد المائية وحكامة تدبيرها.
ملتمس جماعي لإنقاذ الواحة
أعيان وممثلو المجتمع المدني بجماعة الروحا وجهوا ملتمسا رسميا إلى عامل الإقليم، مطالبين بتدخل فوري لإطلاق حصة مائية طلقة استثنائية ومؤقتة من واد درعة، قصد إنعاش المزروعات المحلية وحماية النخيل من التلف.
الرسالة الجماعية اعتبرت أن استمرار الخصاص المائي في ظل توالي سنوات الجفاف بات يهدد التوازن البيئي والاجتماعي، ويضع مئات الأسر أمام واقع اقتصادي صعب، خاصة وأن الفلاحة المعيشية تمثل المورد الأساسي للعيش والاستقرار.
الفلاحة المعيشية… اقتصاد على حافة الانكماش
تعتمد ساكنة الروحا على نظام فلاحي تقليدي قائم على استغلال مياه الوادي في سقي الحقول الصغيرة وزراعة الحبوب والخضر الموسمية، إلى جانب واحات النخيل التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
غير أن تراجع صبيب واد درعة خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تقلص المساحات المسقية، وذبول عدد من الأشجار، وتراجع الإنتاج الفلاحي، ما انعكس مباشرة على دخل الأسر وعلى حركية السوق الأسبوعي، حيث تقلص العرض وارتفعت كلفة الإنتاج.
الفلاحون بالمنطقة يؤكدون أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل تحولت إلى معطى بنيوي يفرض إعادة التفكير في طرق تدبير الموارد المائية، خاصة في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي تضرب المناطق الواحية بشكل متكرر.
خطر بيئي يتجاوز الزراعة
تدهور المجال الواحاتي لا يهدد فقط المحاصيل، بل يفتح الباب أمام اختلالات بيئية خطيرة، من بينها زحف التصحر، وتراجع الغطاء النباتي، وانقراض بعض الأنظمة الإيكولوجية المحلية المرتبطة بالواحات.
كما أن استمرار العطش قد يدفع عددا من الشباب إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن فرص بديلة، وهو ما يعمق النزيف الديمغرافي ويضعف البنية الاجتماعية للمنطقة.
الواحة ليست مجرد فضاء زراعي، بل منظومة معيشية متكاملة تقوم على توازن دقيق بين الماء والنخيل والإنسان، وأي اختلال في هذا التوازن ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار المحلي.
مطلب العدالة المائية
تؤكد الفعاليات الجمعوية أن إطلاق حصة مائية طلقة بشكل استثنائي لن يكون حلا دائما، لكنه يمثل إجراء مستعجلا لتخفيف الضغط الحالي ومنع خسائر أكبر خلال الموسم الفلاحي الجاري.
وتدعو الساكنة إلى اعتماد مقاربة استباقية في تدبير مياه واد درعة، تقوم على توزيع عادل ومنتظم للحصص المائية، مع تعزيز مشاريع الاقتصاد في الماء وتحديث قنوات السقي التقليدية، بما يضمن استدامة المورد وحماية المجال الواحاتي.
رهان الاستجابة
يبقى الرهان معلقا على سرعة استجابة السلطات الإقليمية لهذا الملتمس الجماعي، في ظل تصاعد المخاوف من تفاقم الوضع مع اقتراب الموسم الفلاحي المقبل.
فالروحا اليوم لا تطالب بامتيازات استثنائية، بل بحقها في الماء كشرط أساسي للحياة والتنمية. وبين مطر الشمال وعطش الجنوب، تتجدد الأسئلة حول حكامة الموارد الطبيعية وعدالة توزيعها، في بلد بات فيه الأمن المائي أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة.





