
تشهد الأسرة المغربية تحولات بنيوية عميقة، تكشف عن انتقال تدريجي من نموذج العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية، في سياق ديمغرافي واجتماعي متسارع، تتداخل فيه عوامل اقتصادية وثقافية تعيد رسم ملامح الحياة الأسرية بالمملكة.
هيمنة الأسرة النووية وتراجع النموذج التقليدي
في هذا الإطار، أفادت المندوبية السامية للتخطيط، في دراسة حديثة، أن البنية الأسرية بالمغرب أصبحت تميل بشكل متزايد نحو التركيز حول الوالدين، حيث تمثل الأسرة النووية اليوم حوالي 73 في المائة من مجموع الأسر، مقابل 61 في المائة فقط سنة 1995، ما يعكس تحولا عميقا في أنماط العيش والتعايش داخل المجتمع المغربي.
هذا التحول لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة، حيث تراجع حضور العائلة الممتدة بشكل ملحوظ، إذ انخفضت نسبتها من 35.2 في المائة إلى 19.8 في المائة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كما تقلص تعايش الأجيال داخل نفس المسكن من 29 في المائة إلى 16.8 في المائة، في مؤشر واضح على نزوع الأسر نحو الاستقلالية والانفصال عن النمط التقليدي للتضامن العائلي.
أشكال أسرية جديدة تفرض نفسها
وفي مقابل هذا التحول، تسجل معطيات المندوبية ارتفاعا في بعض الأشكال الأسرية الجديدة، من قبيل الأزواج بدون أطفال، الذين ارتفعت نسبتهم من 3.4 في المائة سنة 1995 إلى 9.4 في المائة سنة 2025، إلى جانب الأسر أحادية الوالد التي بلغت 8.8 في المائة، مع حضور أكبر في الوسط الحضري، ما يعكس تحولات في أنماط الخصوبة وأدوار الأسرة داخل المجتمع.
الهشاشة الاقتصادية تلاحق كبار السن
ورغم هذه التحولات، لا تزال الأسرة تضطلع بدور مركزي في احتضان الأفراد، خاصة كبار السن، حيث يعيش حوالي 59 في المائة منهم مع أحد الأبناء، غير أن هذا الدور يصطدم بواقع اقتصادي هش، إذ لا تتجاوز نسبة من تغطي مداخيلهم احتياجاتهم 9 في المائة فقط، فيما يفتقر 31 في المائة لأي مصدر دخل، خصوصا في صفوف النساء، ما يطرح تحديات حقيقية أمام منظومة الحماية الاجتماعية.
العزوف عن الزواج وتمدد سن العزوبة
ومن جهة أخرى، تكشف الأرقام عن تراجع واضح في الإقبال على الزواج، حيث يشكل العزاب حوالي 52 في المائة، خاصة في صفوف الرجال، فيما بلغ متوسط سن الزواج الأول 26.3 سنة لدى النساء و33.3 سنة لدى الرجال، وهي مؤشرات تعكس تحولا في القيم الاجتماعية المرتبطة بالزواج، إضافة إلى الإكراهات المادية التي تعيق تأسيس أسر جديدة.
كما تشير المعطيات إلى أن أكثر من نصف العزاب البالغين، بنسبة 51.7 في المائة، لا يبدون رغبة في الزواج، في حين يستمر جزء مهم من الشباب في العيش داخل بيت الأسرة حتى سن متقدمة، إذ لم يغادر 16.5 في المائة منزل الأبوين إلى غاية سن 35 سنة، دون أن يسبق لهم الزواج، ما يعكس تمدد مرحلة العزوبة داخل النسيج الأسري.
الأسرة بين التماسك والتحديات الجديدة
هذه المؤشرات مجتمعة تعكس تحولا عميقا لا يطال فقط شكل الأسرة، بل يمتد إلى وظائفها وأدوارها داخل المجتمع، حيث لم تعد العائلة الممتدة قادرة على أداء أدوارها التقليدية بنفس القوة، في ظل ضغط التحولات الاقتصادية وتغير أنماط العيش، وهو ما يفرض إعادة التفكير في السياسات الاجتماعية الموجهة للأسرة، خاصة في ما يتعلق بدعم الفئات الهشة وضمان كرامة كبار السن.
ورغم كل هذه التغيرات، تظل الأسرة المغربية، بمختلف أشكالها، ركيزة أساسية للتماسك الاجتماعي، غير أنها اليوم تقف عند مفترق طرق، بين الحفاظ على دورها التقليدي في التضامن والرعاية، وبين التكيف مع واقع جديد يفرض تحديات غير مسبوقة.




