
بين “فضاء للعمل” و”الملجأ”: الالتباس حول مبادرة OMDH
بقلم: الصحافية هدى سحلي
لم يكن إعلان “المنظمة المغربية لحقوق الإنسان” عن فتح مقرها الوطني بالرباط أمام الصحافيين خلال شهر رمضان مجرد إجراء تضامني عابر، بل تحول إلى “رجّة” رمزية كشفت عن أعصاب مكشوفة في العلاقة بين الجسمين الحقوقي والصحافي. فخلف الجدل الذي أثير، لم يكن هناك مجرد سوء فهم، بل فعل احتجاجي مضمر يستحق الوقوف عنده.
من الناحية المبدئية، يشتغل الحقوقي والصحافي في نفس المجال القيمي والرمزي: مجال الحقيقة والعدالة. الحقوقي ينتج المعطى ويوثق الانتهاك، والصحافي يمنح هذا المعطى الصدى المجتمعي. ومن هنا، فإن فتح مقر حقوقي أمام الصحافيين ليس فعل إحسان، بل هو امتداد طبيعي لهذه الشراكة العضوية.
لكن، لماذا استقبلت هذه “النية الحسنة” بهذا القدر من التوجس؟
الاحتجاج على “العمودية” المتخيلة
ردود الفعل التي حاولت وصم المبادرة بمفاهيم مثل “اللجوء” أو “الإيواء” أو”التهجير” أو”الاحسان”، لم تكن في جوهرها انتقادات عابرة، بل كانت احتجاجا صارخا على وضعية مهنية مأزومة، والأصح هروبا من الواقع المأزوم للقطاع بدء من وضعه التنظيمي إلى الوضعية الاجتماعية للصحافيين.
لقد قُرئت المبادرة بصيغة عمودية(طرف قوي يمنح، وطرف ضعيف يتلقى)، وهو ما استفز “أنفة” الصحافيين (بعضهم) من الذين رأوا في هذا الكرم الحقوقي تذكيرا بما ينقص المهنة وينتقص من وضعها الاعتباري.
لعنة “الفضاءات القلقة”
تكمن المفارقة الموجعة في واقع اشتغال الصحافيين الميدانيين، الذين تحولوا تحت ضغط السرعة والسبق الصحفي إلى ” مجتمع رُحّل” بحقيبة على الظهر تحمل كل أدوات اشتغال “الصحفي الشامل”من كاميرا وحاملها وميكرو وحاسوب، بطاريات واسلاك وكل العدة.
الصحافي الذي رفض “الفضاء” باسم الكرامة المهنية، هو نفسه الذي يمارس عمله يوميا في “فضاءات قلقة”
يمارس عمله متنقلا بين مواقع الخبر وغالبا لا يحضر الى نهايتها لأنه مطالب باللحاق بموقع اخر، وفوق ذلك وهنا تظهر المفارقة بوضوح: الصحافي الذي رفض “الفضاء” باسم الكرامة المهنية، هو نفسه الذي يمارس عمله يوميا في “فضاءات قلقة” (مقاهي، محطات عبور، سيارات، على الرصيف..).
بمعنى آخر، الاحتجاج لم يكن موجها للمنظمة كفاعل مدني، بل كانت بشكل غير مباشر نقدا حادا وجلدا للذات المهنية وللمؤسسات المشغلة التي عجزت عن توفير كرامة الفضاء لمنتسبيها.
احتجاج ضد واقع الهشاشة، احتجاج على نموذج اقتصادي جعل من الصحافي “عاملا مياوما” في الفضاء العام، يبحث عن شاحن كهربائي أو إشارة “ويفي” في أماكن غير معدة للاشتغال.
المبادرة الحقوقية لم تفعل سوى أنها وضعت الاصبع على الجرح
المبادرة الحقوقية لم تفعل سوى أنها وضعت الاصبع على الجرح من حيث كانت تريد التعاون والتضامن استجابة لطلب بعض الزملاء كما أوضح نوفل البعمري رئيس المنظمة المغربية لحقوق الانسان في تدوينة له على منصة الفايسبوك.
في النهاية، لا يسعني إلا أن احيي المبادرة في بعدها الإنساني والتضامني، وتحية لهذا الاحتجاج الذي أعاد التذكير بأن كرامة الصحافي تبدأ من توفير فضاءات اشتغال تصون مهنيته، قبل أن تضطره “الظروف القلقة” للبحث عن مرفأ.
ملاحظة لها علاقة
المبادرة ذكرتني بمذكرة مطلبية كانت قد رفعتها جمعية حي اسمها “جمعية الانطلاقة للطفولة والشباب”، وهي الفضاء النضالي الذي انطلقت منه؛ حيث كانت تدعو، في إطار انفتاح المؤسسات التعليمية على محيطها ودعم الفضاءات السوسيو ثقافية والرياضية، إلى فتح الملاعب الرياضية المدرسية في وجه أبناء الحي خارج أوقات الدراسة وفي أيام العطل، بدل أن تبقى مغلقة وغير مستثمرة. وهي نفس “فلسفة الفضاء” التي تبحث عن تحويل الجدران الصماء إلى جسور حية لفائدة المجتمع.





