الرئسيةرأي/ كرونيك

أخنوش والترند الغاضب، حشحوش.. ماركة الغضب الشعبي

“حشحوش”.. حين تتحول السخرية إلى محكمة شعبية

بقلم: جيهان مشكور

قد لا تحتاج السياسة أحيانًا إلى معارضة منظمة كي تنهار صورتها.. يكفي أن تخرج من بين الناس كلمة واحدة، ثم تتكفل بها الذاكرة الجماعية وتُقلبها إلى حكم جارح، هكذا خرج لقب “حشحوش” من فم سيدة غاضبة من أسعار الأضاحي، ثم استقرّ سريعًا في الفضاء الرقمي كأنه ملخص مكثف لسنوات من التذمر المكبوت، وكسوة سوداء لمرحلة كاملة من العجز عن حماية القدرة الشرائية..

هنا لا نتحدث عن مزحة عابرة، بل عن صفعة شعبية ناعمة المظهر، قاسية الأثر، فكلمة واحدة كانت كافية لتحويل رئيس الحكومة عزيز أخنوش من فاعل سياسي إلى مادة يومية للسخرية الرقمية، كلمة خرجت من الهامش، لكنها استقرت في قلب المركز، حيث تُصنع القرارات التي لا تُشبه حياة الناس إلا من باب المفارقة.

“أغراس أغراس”.. من وعد الازدهار إلى موسم الغلاء

حين صعد أخنوش إلى رئاسة الحكومة، قُدّم للمغاربة باعتباره رجل الأعمال الذي سيجعل الاقتصاد يمشي مثل شركة ناجحة، وبشعار بدا وكأنه وعد ببلد يركض نحو الرخاء.. لكن ما الذي بقي من ذلك البريق حين اصطدمت الوعود بجدار السوق؟

لقد صار الاسم نفسه، في مخيال كثيرين، مرادفًا لتداخل المال بالسلطة، ولحكومة تتحدث عن “الدولة الاجتماعية” فيما المواطن يفتش في جيبه عن فتات الكرامة، فالسوق، كعادته لا يقرأ البرامج الحكومية، بل يقرأ جيوب المواطنين، ومع كل موجة ارتفاع في أسعار المواد الأساسية والمحروقات، يتضح أن الشعار تحول تدريجياً إلى سخرية مؤجلة الدفع، تُسدد أقساطها يومياً عند صناديق المحلات.

“حشحوش”.. لقب شعبي ببلاغ سياسي أكثر من أي بلاغ حكومي

اسم “حشحوش” خرج من فيديو بسيط لسيدة غاضبة من أسعار الأضاحي هو ليس شتيمة فقط، بل آلية دفاع شعبية ضد العجز، فالناس لا تُبدع الألقاب العبثية من فراغ؛ إنها تعيد ترتيب الواقع على طريقتها، وتمنح السلطة اسمها الحقيقي كما تراه من الشارع: المراوغة، التبرير الفارغ، والتجميل المتأخر لوجع سابق.. لذلك فإن انتشار اللقب على المنصات لم يكن مجرد موجة تهكم، بل تصويتًا رمزيًا ضد خطابٍ وُعد فيه المغاربة بمسار جديد، فإذا بهم يكتشفون أن الطريق نحو الغلاء أقصر بكثير من أي طريق نحو الرخاء.

اقتصاد الأرقام… وواقع لا يحتاج إلى تفسير

تتحدث الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط عن نسب تضخم متذبذبة، لكن الشارع لا يقيس التضخم بالنسب، بل بسعر الطماطم واللحم وقفة العيد.. وهنا تتسع الهوة بين خطاب “الدولة الاجتماعية” وواقع “الدولة السوقية”، حيث يبدو أن السوق أقوى من الحكومة، والمضارب أكثر حضوراً من المراقب.. ومع كل ارتفاع جديد، يعود سؤال تضارب المصالح ليطفو، خصوصاً حين يجتمع الفاعل الاقتصادي الكبير ورئيس الحكومة في نفس الشخص، بينما المواطن يُطلب منه فقط “الصبر”.

السخرية كمعارضة بديلة

“حشحوش” ليست مجرد لقب ساخر، بل بيان سياسي مكتوب بلغة الشارع، حيث لا تحتاج المعارضة إلى منصة، ولا يحتاج الغضب إلى إذن بالنشر.. فترند لقب “حشحوش” يكشف سياسيًا، أن الثقة لم تعد تُقاس بما يقال في المنصات الرسمية، بل بما يبقى في جيب المواطن بعد دفع الفاتورة، واجتماعيًا، يعكس اللقب غضبًا من شعور متراكم بالخذلان، واقتصاديًا، يضع الحكومة أمام سؤال بسيط وموجع: كيف تُقنع الناس بالدولة الاجتماعية بينما السوق يتصرف كأنه السلطة الفعلية؟

في النهاية، قد تنسى الحكومة الألقاب، لكن الشارع لا ينسى ما دفعه إلى ابتكارها، وحين يصبح الاسم أقوى من البرنامج، و تتحول السياسة إلى نكتة جماعية، فاعلم أن الأزمة لم تعد في الخطاب… بل في الواقع نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى