اقتصادالرئسية

نهاية الضيافة المجانية للمؤثرين بالمغرب

تحوّل المغرب في السنوات الأخيرة، إلى “ملعب مفتوح” للمؤثرين الأجانب، الذين يأتون لتصوير محتوياتهم الرقمية في مراكش وشفشاون وطنجة والصحراء، مستفيدين من جمال المدن وتنوعها الطبيعي والثقافي، دون أن يدفعوا فلساً واحداً للدولة مقابل استغلال هذه الثروات البصرية، لكن يبدو أن زمن الضيافة المجانية قد ولى.

ترخيص وتصريح: نهاية الفوضى الرقمية

يهدف المشروع القانوني الجديد إلى وضع حد لما أصبح يعرف بـ”السياحة الرقمية المجانية” ، حيث سَيُجبر المؤثرون الأجانب على الحصول على ترخيص رسمي للتصوير، مع دفع رسوم تتحول إلى وزارة الثقافة، وإخضاع الأرباح التي يحققونها داخل المغرب للضرائب وفق القوانين الوطنية.. في خطوة تعكس وعي الدولة بأن صناعة المحتوى الرقمي لم تعد مجرد هواية، بل اقتصاد قائم بذاته يدر أرباحاً تقدر عالمياً بعشرات المليارات.

المغرب على خريطة المؤثرين

من صور الأزقة الزرقاء في شفشاون إلى غروب الصحراء في مرزوكة، أصبح المغرب مادة خام رقمية يُستغل بلا مقابل،حيث تشير تقديرات إلى أن بعض الفيديوهات التي يصورها المؤثرون قد تحقق عوائد تصل إلى 10 آلاف دولار لكل فيديو، ما يجعل مجموع الأرباح السنوية المحتملة لعشرات المؤثرين بالمملكة بملايين الدولارات، بالمقابل، تظل هذه الأموال خارج أي دائرة ضريبية، في حين يساهم السياح التقليديون بنسبة تقارب 7% من الناتج الداخلي الخام ويبلغ عددهم أكثر من 13 مليون زائر سنوياً في 2023، ما يوضح حجم الفرصة الاقتصادية التي يمثلها تنظيم “السياحة الرقمية”.

بين السيادة الرقمية وجاذبية الاستثمار

من الناحية السياسية، يعكس المشروع رغبة واضحة في استعادة جزء من السيادة الاقتصادية في الفضاء الرقمي، خصوصاً في ظل تنامي اقتصاد المؤثرين الذي تشير تقارير دولية إلى أنه تجاوز 250 مليار دولار عالمياً سنة 2025، مع توقعات ببلوغه 480 مليار دولار بحلول 2027.

لكن المفارقة تكمن في أن أي تشديد مفرط قد يهدد جاذبية المغرب كوجهة تصوير حرة، وهو ما يفرض توازناً دقيقاً بين التنظيم وعدم خنق التدفقات السياحية الرقمية، فالمحتوى الذي يصوّره المؤثرون يظل، رغم كل شيء، أداة ترويج غير مباشر لا تقدر بثمن في الأسواق السياحية العالمية.

عدالة ضريبية وحماية الثقافة

من جهة أخرى، فرض التراخيص والضرائب ليس مجرد جمع أموال، بل وسيلة لحماية صورة المغرب وثقافته من تصوير مبسط أو سطحّي قد يسيء أحياناً إلى المجتمع المحلي، كما يسعى المشروع إلى إعادة التوازن بين المؤثرين المحليين والأجانب، الذين غالباً ما يتمتعون بموارد وعلامات تجارية عالمية، في حين يواجه صانع المحتوى المغربي صعوبات التمويل والانتشار.

اقتصاد الظل الرقمي يدخل الضوء

يعتمد اقتصاد المحتوى الرقمي، رغم كونه نشاطاً مربحاً على موارد محلية كالإقامة والنقل وخدمات المواقع، فيما ظل لفترة خارج الإطار الرسمي، و تقنينه سيخلق مورداً جديداً للدولة ويفتح المجال أمام تطوير صناعة المحتوى كمجال استثماري حقيقي، مع إمكانية شراكات بين المؤثرين المحليين والأجانب، بدلاً من العلاقة غير المتكافئة السابقة.

من “بلد الضيافة” إلى “بلد الفوترة”

لطالما اعتُبر المغرب بلد الضيافة، لكن الصورة الرقمية لم تعد بريئة.. فكل لايك وألف مشاهدة تحولت إلى نشاط اقتصادي يستحق الضريبة، والمغامرة اليوم ليست في السفر فقط، بل في تحويل الصور والفيديوهات إلى أموال… مع فاتورة رسمية لكل سيلفي مربح.

يمكن لهذا المشروع أن يكون نموذجاً إقليمياً لتنظيم اقتصاد المؤثرين، ويوازن بين حماية الثقافة، وتحصيل الموارد، ودعم الفاعلين المحليين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى