
أثارت التصريحات المنسوبة إلى وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، خلال لقاء جمعه بجمعية خريجي المدرسة المركزية وسوبليك، موجة واسعة من الجدل والاستياء في أوساط مغاربة العالم، بعدما نُقل عنه قوله إن المغرب غير مطالب بشكر أفراد الجالية على استثماراتهم داخل بلدهم لأنها ليست “هدايا”، واستعماله أثناء حديثه كلمة مسيئة “بالزعط”.
التصريح يحمل إساءة معنوية لملايين المغاربة المقيمين بالخارج
وقد اعتبر كثيرون أن هذا التصريح يحمل إساءة معنوية لملايين المغاربة المقيمين بالخارج، ويُقلل من رمزية ارتباطهم الاقتصادي والوجداني بوطنهم الأم.
وفي هذا السياق، تعلن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد متابعتها بقلق بالغ لهذه التصريحات وما ترتب عنها من شعور بالإهانة لدى فئات واسعة من الجالية المغربية، معتبرة أن الأمر يتجاوز مجرد تعبير عابر إلى قضية تتعلق بطبيعة الخطاب العمومي الصادر عن مسؤول حكومي، وما ينبغي أن يتسم به من مسؤولية واحترام تجاه جميع المواطنين، داخل الوطن وخارجه.
إن صدور مثل هذه التصريحات عن عضو في الحكومة يضع صاحبها أمام المساءلة السياسية والأخلاقية، لأن الكلمة العمومية لمسؤول حكومي ليست رأياً شخصياً معزولاً، بل تعبيراً يحمل دلالات سياسية ورمزية تعكس نظرة الدولة إلى مواطنيها وإلى إسهاماتهم في التنمية الوطنية.
مغاربة العالم… ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني
إن مغاربة العالم يشكلون إحدى الدعائم الحيوية للاقتصاد الوطني، حيث تُمثل تحويلاتهم المالية مصدراً أساسياً للعملة الصعبة، كما تسهم استثماراتهم في إنعاش الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل ودعم المبادرات التنموية في مختلف جهات البلاد.
ولا يقتصر دورهم على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد العلمي والثقافي والدبلوماسي، إذ يشكلون واجهة حضارية للمغرب في الخارج، ويساهمون من خلال نجاحاتهم المهنية والأكاديمية في تعزيز صورة المملكة ومكانتها الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب قد يُفهم منه التقليل من قيمة هذا الدور أو تبخيس مساهماتهم، ينعكس سلباً على العلاقة المعنوية بين الدولة وجاليتها في الخارج، ويبعث رسائل غير مطمئنة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توطيد جسور الثقة وتعزيز روح الانتماء.
الخطاب العمومي ومسؤولية التقدير والاعتراف
إن الاستثمار في الوطن، حتى وإن كان قائماً على منطق اقتصادي مشروع، يبقى بالنسبة لمغاربة العالم اختياراً يحمل بعداً وطنياً وإنسانياً واضحاً، إذ يفضّل كثير منهم توجيه أموالهم وخبراتهم نحو بلدهم الأم رغم ما قد يواجهونه من صعوبات إدارية أو إكراهات استثمارية.
وعليه، فإن التقليل من هذا البعد الرمزي أو التعامل معه بمنطق محض اقتصادي يُفرغ العلاقة بين الدولة وجاليتها من مضمونها المعنوي، في حين أن الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام تقتضي خطاباً محفزاً يعترف بالجهود ويقدّر الإسهامات.
ضرورة خطاب مسؤول وبيئة جاذبة للاستثمار
إن المرحلة الراهنة، التي تشهد تنافساً دولياً وإقليمياً متزايداً على جذب الاستثمارات والكفاءات، تستوجب من المسؤولين اعتماد خطاب مؤسساتي مسؤول يعكس احترام الدولة لمواطنيها أينما وجدوا، ويعزز ثقتهم في مؤسسات وطنهم.
كما أن تحسين مناخ الاستثمار لا يقتصر على الإجراءات التقنية أو القانونية، بل يشمل أيضاً البعد الرمزي والنفسي المرتبط بالشعور بالتقدير والإنصات لانشغالات المستثمرين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطنين اختاروا الاستثمار في بلدهم بدافع الانتماء والوفاء.
مطالب المنظمة
بناءً على ما سبق، فإن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد، تعبر عن استنكارها لأي خطاب رسمي قد يُفهم منه التقليل من دور مغاربة العالم أو المساس برمزيتهم الوطنية.
كما تدعو إلى تقديم توضيح رسمي يرفع اللبس حول التصريحات المنسوبة إلى وزير الصناعة والتجارة ويعيد الاعتبار المعنوي للجالية المغربية بالخارج، مؤكدة ضرورة ترسيخ خطاب مؤسساتي جامع يقوم على الاحترام والتقدير المتبادل بين الدولة ومواطنيها.
كما طالبت بتسريع الإصلاحات المتعلقة بتبسيط المساطر الإدارية وتحسين مناخ الاستثمار لفائدة جميع المغاربة دون تمييز.
مغاربة العالم جزء أصيل من النسيج الوطني
إن مغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في تقارير اقتصادية أو إحصائيات مالية، بل هم جزء أصيل من النسيج الوطني، يحملون هوية المغرب وثقافته في مختلف بقاع العالم، ويساهمون في بنائه من مواقع متعددة.
وقوة المغرب الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه داخل الوطن وخارجه، وفي قدرته على تحويل انتشارهم الجغرافي إلى مصدر قوة وتكامل. لذلك فإن الخطاب الرسمي يجب أن يعكس هذه الحقيقة، وأن يقوم على لغة مسؤولة تعزز الثقة وتكرّس ثقافة الاعتراف المتبادل.
وختاماً، تؤكد منظمتنا أن احترام كرامة المواطنين وتقدير مساهماتهم يظل أساساً لأي مشروع تنموي ناجح، وأن الحفاظ على العلاقة المتينة مع مغاربة العالم يقتضي خطاباً منصفاً ومحفزاً يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.





