
مع اقتراب تخليد اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس من كل عام، يتجدد النقاش في المغرب حول مسارات النضال النسائي والإنجازات التي حققتها النساء في مواجهة أنماط مختلفة من التمييز الاجتماعي والقانوني.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة النساء السُّلاليات باعتبارها واحدة من أهم التجارب النضالية النسائية في المغرب خلال العقود الأخيرة، إذ استطاعت نساء ينحدرن من أوساط قروية وبمستويات تعليمية محدودة أن يفرضن قضية عادلة على الأجندة الحقوقية والسياسية، وأن يفتحن نقاشاً واسعاً حول المساواة في الاستفادة من الأراضي الجماعية.
حركة نسائية من الهامش إلى قلب النقاش الحقوقي
انطلقت حركة النساء السُّلاليات سنة 2007، عندما بدأت نساء ينتمين إلى جماعات قبلية تحتج على حرمانهن من حق الاستفادة من الأراضي السلالية، وهي أراضٍ جماعية تعود ملكيتها لقبائل أو عشائر، ويتم تدبيرها وفق نظام تقليدي يقوم على الانتفاع الجماعي وتوارث الحقوق عبر الأجيال.
وقد ظلت هذه الأراضي، التي نشأت في سياق اجتماعي يعود إلى ما قبل الاستعمار حيث كان نمط العيش شبه ترحالي وتغلب عليه الروابط القبلية، خاضعة لأعراف تقليدية تعطي حق الاستفادة للرجال فقط، وتقصي النساء من أي تعويض أو انتفاع.
هذا الإقصاء كان يستند إلى مبررات عرفية، من بينها احتمال زواج المرأة من خارج القبيلة، وهو ما كان يُعتبر تهديداً لملكية الجماعة للأرض.
ونتيجة لذلك، كانت حقوق الاستغلال تنتقل في الغالب إلى الأبناء الذكور فقط، أو إلى إخوة المتوفى وأعمامه في حال عدم وجود أبناء ذكور، بينما تبقى النساء خارج دائرة الاستفادة.
لكن مع بداية الألفية الثالثة، بدأت نساء من هذه الجماعات في كسر جدار الصمت. فقد شرعن في تنظيم وقفات احتجاجية متكررة في العاصمة الرباط للمطالبة بحقوقهن، رافعات شعارات لافتة مثل:
“أرض الجموع أرض الأجداد غير للأولاد؟”
و”أرضي فيها كديت وبالمساواة حقي فيها بغيت”.
دعم المجتمع المدني وبروز قيادة نسائية جديدة
لعبت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب دوراً محورياً في تأطير هذه الحركة ودعمها قانونياً وإعلامياً، إذ ساهمت في توحيد مطالب النساء السُّلاليات وإيصال صوتهن إلى الرأي العام وصناع القرار. واعتمدت الجمعية مقاربة مزدوجة تقوم من جهة على تمكين النساء أنفسهن من الوعي بحقوقهن وتنظيم صفوفهن، ومن جهة أخرى على التأثير في الرأي العام والمؤسسات الرسمية.
وقد تحولت هذه الحركة تدريجياً إلى مدرسة حقيقية للقيادة النسائية القروية، حيث بدأت نساء سلاليات في الولوج إلى مواقع التمثيل داخل الجماعات، بعدما كان منصب النائب السلالي حكراً على الرجال. وتشير التقديرات إلى أن عشرات النساء أصبحن اليوم عضوات في هيئات تدبير الأراضي الجماعية، في تحول رمزي مهم يعكس كسر احتكار الذكور للقرار داخل هذه الجماعات.
الاعتراف الديني والحقوقي بالقضية
في سنة 2013 دخل المجلس العلمي الأعلى على خط القضية، مؤكداً أن حرمان المرأة السُّلالية من عائدات الأراضي الجماعية لا يستند إلى أساس شرعي، وأن من حقها الاستفادة مثل الرجل. وقد شكل هذا الموقف دعماً معنوياً مهماً للحركة، لأنه ساهم في تفكيك أحد أبرز المبررات التي كانت تُستخدم لتبرير الإقصاء.
محطة قانونية مفصلية
توجت سنوات من النضال بصدور القانون 62.17 سنة 2019 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها. وقد شكل هذا القانون تحولاً مهماً، إذ أقر لأول مرة مبدأ المساواة بين النساء والرجال داخل الجماعات السلالية، سواء في عضوية الجماعة أو في الاستفادة من أملاكها أو في إمكانية تولي مهام التسيير والتمثيل.
كما نص القانون على حق النساء في الاستفادة من التعويضات الناتجة عن المعاملات العقارية التي تعرفها هذه الأراضي، وعلى إمكانية انتقال حق الانتفاع إليهن مثل الرجال، سواء عبر الشراكة أو الإيجار أو التفويت.
بين المكسب القانوني وتحديات الواقع
ورغم هذا الاعتراف القانوني غير المسبوق، فإن تطبيق المساواة على أرض الواقع لا يزال يواجه عدة صعوبات. فمن بين أبرز الإشكالات المطروحة شرط الإقامة داخل الجماعة السلالية للاستفادة من الأراضي، وهو شرط يضر بالنساء بشكل خاص، لأن كثيرات يغادرن الجماعة بعد الزواج أو بحثاً عن فرص العمل.
كما أن بعض معايير تمليك الأراضي الفلاحية تعتمد على الانتفاع السابق بالأرض، وهو شرط لا يأخذ بعين الاعتبار عقوداً طويلة من إقصاء النساء من حق الاستغلال أصلاً، ما يجعل الكثير منهن غير مؤهلات للاستفادة من عمليات التمليك.
قيمة تجربة النساء السُّلاليات في مسار الحركة النسائية
رغم هذه التحديات، تمثل حركة النساء السُّلاليات تجربة متميزة داخل الحركة النسائية المغربية. فهي لم تنطلق من المدن أو من النخب المتعلمة كما هو الحال في كثير من الحركات النسوية، بل خرجت من قلب العالم القروي ومن نساء بسيطات حولن معاناتهن اليومية إلى قضية حقوقية وطنية.
لقد ساهمت هذه الحركة في توسيع مفهوم المساواة ليشمل الحقوق الاقتصادية والموارد الطبيعية، كما أفرزت قيادات نسائية جديدة قادرة على التفاوض مع المؤسسات والدفاع عن مصالح جماعاتها.
وفي هذا السياق، يبقى صدور قانون 2019 خطوة أساسية في مسار الاعتراف بحقوق النساء السُّلاليات، خصوصاً أنه أقر صراحة حق النساء في الاستفادة من الأراضي الجماعية المخلفة عن الأم أو الأب أو الزوج، دون ربط ذلك بشروط تمييزية.
وبذلك، لا تختزل قصة النساء السُّلاليات في مجرد معركة حول الأرض، بل تعكس مساراً أوسع لنضال النساء المغربيات من أجل العدالة والمساواة، وتؤكد أن التغيير يمكن أن يبدأ حتى من أكثر المواقع تهميشاً عندما تتحول المعاناة إلى قوة جماعية للنضال.





