
تمكن فريق من أساتذة كلية العلوم التابعة لـجامعة محمد الأول بوجدة، ضمن شعبة الجيولوجيا، من العثور على بقايا ديناصور شبه كامل بإحدى مناطق الجهة الشرقية بين صمت الصخور التي راكمت أسرار ملايين السنين،، وهو اكتشاف يضع المنطقة مجدداً على خريطة الأبحاث العالمية في علم الحفريات، ويؤكد أن باطن الأرض المغربية لا يزال يحتفظ بصفحات غير مكتشفة من تاريخ الحياة على الكوكب.. ، غير أن هذا الحدث العلمي، على أهميته، يكشف أيضاً مفارقة عميقة: بلد غني بالتراث الجيولوجي، لكنه فقير نسبياً في الاستثمار الممنهج في البحث العلمي.
رحلة علمية بين الحقل والمختبر
جاء الاكتشاف نتيجة عمل ميداني طويل قاده أساتذة وباحثون من شعبة الجيولوجيا، من بينهم لحبيب بودشيش وحمزاوي، إلى جانب فريق من الطلبة والباحثين المتخصصين في علوم الأرض.. اختاروا التنقيب عن الحفريات ليس كمغامرة عابرة، بل كعملية علمية دقيقة تبدأ بدراسة الطبقات الجيولوجية وتحديد المواقع المحتملة، قبل الانتقال إلى عمليات حفر بطيئة قد تستغرق أسابيع أو أشهر، وفي هذه الحالة، قادت تلك الجهود إلى العثور على بقايا هيكل عظمي شبه كامل لديناصور، وهو اكتشاف نادر نسبياً في علم الحفريات، حيث غالباً ما تُكتشف أجزاء متناثرة فقط من العظام.
من الصحراء إلى المختبر
بعد استخراج البقايا من موقعها، انتقل العمل إلى المختبر حيث يخضع الهيكل العظمي لسلسلة من العمليات الدقيقة تشمل تنظيف العظام من الرواسب الصخرية، تثبيتها بمواد خاصة، ثم تحليلها وفق منهجيات علمية متقدمة لتحديد نوع الديناصور وعمره الجيولوجي والبيئة الطبيعية التي عاش فيها.
كنوز جيولوجية… وإمكانات علمية محدودة
يُعد المغرب من الدول الغنية بالحفريات، خصوصاً في مناطقه الشرقية والجنوبية، حيث تعود بعض الطبقات الجيولوجية إلى أكثر من 200 مليون سنة.. تجعل هذه المعطيات البلاد فضاءً واعداً لعلم الحفريات والدراسات الجيولوجية، لكن المفارقة تكمن في أن هذا الغنى الطبيعي لا يقابله دائماً استثمار كافٍ في البحث العلمي، فوفق تقارير وطنية ودولية، لا يزال الإنفاق على البحث العلمي في المغرب أقل من 1% من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى بعيد عن المعدلات المسجلة في العديد من الدول الصاعدة التي جعلت من المعرفة العلمية رافعة للتنمية الاقتصادية.
ما وراء العظام… فرصة علمية واقتصادية
لا يتعلق الأمر هنا بعظام ديناصور فقط، بل بفرصة حقيقية لتطوير مجالات علمية وسياحية وثقافية.. فالاكتشافات الأحفورية الكبرى غالباً ما تتحول في دول عديدة إلى متاحف ومراكز أبحاث ومسارات سياحية علمية تجذب آلاف الزوار سنوياً.. وفي بلد يمتلك تاريخاً جيولوجياً عريقاً مثل المغرب، قد يكون هذا الديناصور أكثر من مجرد كائن منقرض؛ ربما هو تذكير صامت بأن الأرض تحت أقدامنا ما تزال تخبئ قصصاً لم تُكتب بعد… بانتظار من يمنح العلم المكانة التي يستحقها.





