الرئسيةذاكرةرياضة

عندما حملت الكرة رسالة سياسية مع منتخب إيطاليا

في صيف عام 1982، كان العالم يعيش على إيقاع صورتين متناقضتين تماما.

في إسبانيا، كانت الجماهير تحتشد في الملاعب احتفالا بكأس العالم، أكبر مهرجان كروي على وجه الأرض، وعلى الضفة الأخرى من المتوسط، كانت بيروت تختنق تحت الحصار الإسرائيلي، فيما تتناقل الشاشات صور الدمار والضحايا وسط حرب لا تهدأ.

رمز تضامن مع شعب كان يعيش واحدة من أكثر لحظاته قسوة

بدا المشهدان منفصلين تماماً؛ كرة قدم هنا، وحرب هناك. لكن التاريخ كثيرا ما يفاجئ الجميع حين يربط بين أحداث لا تبدو بينها أي صلة.

ومن قلب تلك المفارقة وُلدت واحدة من أكثر الحكايات حضورا في الذاكرة الفلسطينية والعربية.

في تلك الأيام، كان المنتخب الإيطالي يشق طريقه بثبات نحو المجد، بقيادة المدرب إنزو بيرزوت، تجاوز الإيطاليون كل العقبات حتى بلغوا النهائي، حيث هزموا ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد وتوجوا أبطالا للعالم.

غير أن الكأس التي رفعت في مدريد لم تُقرأ، في المخيال الفلسطيني، بوصفها مجرد انتصار رياضي، بل تحولت إلى رمز تضامن مع شعب كان يعيش واحدة من أكثر لحظاته قسوة.

المصادر الإيطالية تؤكد وجود مبادرة تضامن حقيقية

ومع مرور السنوات، انتشرت رواية تقول إن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم أهدى كأس العالم للشعب الفلسطيني، بل وأرسل الكأس الذهبية إلى منظمة التحرير الفلسطينية للاحتفاظ بها أسبوعا كاملا.

وتحولت القصة إلى جزء من الذاكرة الجماعية، تتناقلها الأجيال باعتبارها واحدة من أجمل صور التضامن الرياضي مع فلسطين.

غير أن العودة إلى الوثائق والسجلات التاريخية تكشف تفاصيل أكثر تعقيدا، فالمصادر الإيطالية تؤكد وجود مبادرة تضامن حقيقية، لكنها تختلف عن الرواية الشعبية المتداولة.

وتشير هذه المصادر إلى أن الرئيس الإيطالي الراحل ساندرو بيرتيني، المعروف بتعاطفه مع القضية الفلسطينية، لعب الدور الأبرز في هذا الموقف الرمزي.

حمل رئيس إيطاليا الكأس خلال زيارة إلى بيروت

فبعد مجزرة صبرا وشاتيلا، نسق بيرتيني مع الاتحاد الإيطالي لكرة القدم لتخصيص فوز إيطاليا بكأس العالم بشكل رمزي لضحايا المجزرة وللشعب الفلسطيني.

كما حمل الكأس خلال زيارة إلى بيروت في رسالة أراد من خلالها التعبير عن التضامن مع اللاجئين الفلسطينيين والناجين من المأساة.

أما الرواية التي تتحدث عن إعارة الكأس للفلسطينيين لمدة أسبوع كامل، فلا توجد وثائق رسمية تؤكدها حتى اليوم. لكن ما تؤكده السجلات التاريخية هو أن إيطاليا، عبر رئيسها واتحادها الكروي، أرادت أن تمنح انتصارها الرياضي معنى إنسانياً يتجاوز حدود الملاعب.

وهكذا بقيت قصة مونديال 1982 حاضرة في الذاكرة؛ ليس فقط لأنها تحكي عن منتخب رفع الكأس الأغلى في عالم كرة القدم، بل لأنها تروي كيف يمكن للحظة فرح رياضي أن تتقاطع مع مأساة شعب، فتتحول من مجرد انتصار كروي إلى رمز للتضامن والوفاء في زمن الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى