الرئسيةرأي/ كرونيك

الديمقراطية التمثيلية بين نقص الشروط ووظيفة التفاوض

إن مطلب الملكية البرلمانية، رغم ما يعتريه من صعوبات واقعية في التحقق، لا يكتسي أهميته من كونه نموذجًا جاهزًا للتطبيق، بقدر ما ينهض بوظيفة تفاوضية في إعادة تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع.

 

بقلم مصطفى المنوزي

الديمقراطية لا تقوم على إلغاء أحد الطرفين

فهو يُنتج أفقًا سياسياً قوامه مبدأ “الائتلاف في وضوح والاختلاف في غموض”، بما يسمح بتدبير التعدد بدل نفيه أو قمعه.

وإن الحركة التقدمية وخاصة الإتحادية منها بلورت مطلبها على إثر المراجعة العامة للخط المذهي والسياسي، بغية تحقيق التحول من الإختيار الثوري المزدوج إلى الخيار الديموقراطي، والذي تعتبر فيه الإنتخابات مجرد وسيلة وواجهة تخدم استراتيجيا النضال الديمقراطي.

وفي هذا السياق، لا يُفهم ميزان القوى بين الدولة والمجتمع كصراع على الوجود أو الهيمنة الكلية، بل كإعادة توزيع للحدود: حدود السلطة، وحدود المعارضة، وحدود المجال العمومي.

فالديمقراطية هنا لا تقوم على إلغاء أحد الطرفين، بل على تنظيم التوتر بينهما عبر قواعد مشتركة تمنع الانفجار السياسي وتؤسس لإمكان الاستمرار.

الرهان ليس هو “الانتصار السياسي” لأي طرف بل ضمان الحد الأدنى المشترك من البقاء السياسي

ومن ثمّ، فإن الرهان ليس هو “الانتصار السياسي” لأي طرف، بل ضمان الحد الأدنى المشترك من البقاء السياسي والاجتماعي، بما يفتح المجال أمام نوع من “الاستمرار الممكن” بدل منطق الإقصاء أو الفناء الرمزي.

بهذا المعنى، تتحول الملكية البرلمانية من صيغة مؤسساتية إلى أداة لترويض الصراع داخل حدود قابلة للحياة السياسية، لا لإلغائه.

من هنا فإن تفعيل مطلب الملكية البرلمانية، إذا أخذناه كأفق تفاوضي لا كنموذج جاهز، لا يقوم فقط على تعديل دستوري تقني، بل على إعادة هندسة عميقة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، بين النص الدستوري وموازين القوة، وبين الشرعية والتمثيلية. ويمكن تلخيص المقومات الأساسية في أربع دوائر مترابطة:

أولًا، الدستور بوصفه عقدًا مُقيدًا للسلطة لا مجرد تنظيم لها.

المطلوب ليس فقط توسيع صلاحيات البرلمان أو الحكومة، بل تقليص منطق “الاستثناء الضمني” داخل ممارسة السلطة، أي منع تحوّل السلطة التنفيذية إلى مركز فوق المساءلة.

هذا يقتضي وضوحًا صارمًا في توزيع الاختصاصات، وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان قابلية القرار السياسي للطعن والمراجعة ضمن آليات مؤسساتية فعّالة.

ثانيًا، إعادة توازن الحقل الحزبي والتمثيلي :

الملكية البرلمانية لا تعمل في فراغ، بل تفترض أحزابًا قادرة على إنتاج نخب سياسية مسؤولة، لا مجرد وسطاء انتخابيين ، أي إصلاح النظام الانتخابي، تقوية الديمقراطية الداخلية للأحزاب، والحد من منطق “التقنقراطية السياسية” التي تفرغ التمثيل من مضمونه. فبدون فاعلين سياسيين حقيقيين، تصبح البرلمانية شكلًا بلا مضمون.

ثالثًا، استقلال القضاء وضبط منطق السلطة الإدارية :

إنه لا معنى لأي نموذج برلماني إذا بقي القضاء غير قادر على فرض حدود فعلية على الإدارة والسلطة التنفيذية ؛ وهنا يصبح استقلال القضاء، وتحصين المحكمة الدستورية، وتوسيع الرقابة القضائية على القرارات العمومية، شروطًا مركزية لتحويل “الحدود” من فكرة نظرية إلى ممارسة يومية تقوض عقدة تضخم خطاب الوجود .

رابعًا، إعادة تعريف المجال العمومي وإنتاج ثقافة سياسية تفاوضية :

إن هذا البعد هو الأكثر عمقًا، لأنه يتعلق بما لا يُكتب فقط في الدستور بل في الذهنيات: قبول الاختلاف، شرعنة المعارضة، تحويل الصراع من منطق الإقصاء إلى منطق التعاقد. من دون هذه الثقافة، تتحول الملكية البرلمانية إلى مجرد هندسة مؤسساتية هشّة قابلة للتعطيل عند أول أزمة.

و الخلاصة أن تفعيل هذا الأفق لا يُقاس فقط بنصوص قانونية، بل بقدرة المجتمع والدولة معًا على الانتقال من منطق “الاحتكار” إلى منطق “الحدود”، أي تحويل السلطة من مجال مغلق إلى مجال مُقيد بقواعد مشتركة تُدبّر الاختلاف بدل أن تلغيه.

لذلك فإن السؤال الأساسي الذي يضع اليد على مفارقة مركزية هو كيف يمكن للديمقراطية التمثيلية أن تشتغل عندما يكون أحد شروطها الأساسية—الأحزاب الديمقراطية—غير متحقق أو ضعيف التحقق؟

فمن حيث المبدأ، الديمقراطية التمثيلية لا تُختزل في الأحزاب، لكنها عمليًا لا تعمل بدونها. فهي تفترض وجود وسيط سياسي منظم بين المجتمع والدولة، أي أحزاب قادرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج، وعلى تحويل التنافس إلى تداول سلمي على السلطة. عندما يضعف هذا الوسيط أو يتحول إلى مجرد بنية انتخابية ظرفية، تصبح التمثيلية نفسها شكلًا إجرائيًا أكثر منها بنية سياسية فاعلة.

لكن هنا تظهر الإشكالية التيتطرخ نفسها بإلحاح : هل يمكن بناء أحزاب ديمقراطية داخل نظام ديمقراطي تمثيلي لم يكتمل بعد؟

التاريخ السياسي المقارن يبين أن هناك دائماً نوعًا من “الدوران المتبادل” بين الاثنين:

لا توجد أحزاب ديمقراطية مكتملة قبل الديمقراطية، ولا ديمقراطية تمثيلية مستقرة بدون أحزاب ديمقراطية.

بمعنى آخر، كل طرف يحتاج الآخر كي يتشكل، لكن لا أحد منهما يوجد مسبقًا بشكل كامل، ولهذا السبب بالضبط، تعمل الديمقراطية التمثيلية في سياقات الانتقال أو الاختلال عبر منطق “الديمقراطية الناقصة القابلة للتوسيع”، أي أنها لا تنتظر اكتمال الشروط المثالية، بل تُراكم تدريجيًا شروطها عبر الصراع السياسي نفسه: قوانين انتخابية أكثر شفافية، ضغط مجتمعي، تداول قيادي داخل الأحزاب، استقلال نسبي لمجال الإعلام، وتوسيع رقابة الرأي العام ، غير انه إذا غاب هذا المسار التراكمي، يحدث انزلاق مهم:

تصبح الأحزاب واجهات انتخابية، وتتحول الديمقراطية التمثيلية إلى تقنية لتجديد النخب ( وقد تكون فاسدة ومضرة ) بدل إنتاج بدائل سياسية حقيقية. وهنا تفقد وظيفتها التمثيلية لصالح وظيفة تدبيرية فقط.

في هذا السياق، يمكن فهم “الملكية البرلمانية” أو أي أفق مماثل ليس كحل نهائي، بل كإطار ضغط سياسي-مؤسساتي يدفع نحو إعادة إنتاج شروط التمثيل نفسها، أي نحو تحويل الأحزاب من أجهزة انتخابية إلى فاعلين سياسيين حقيقيين.

الخلاصة: الديمقراطية التمثيلية لا تضمن وحدها إنتاج أحزاب ديمقراطية، لكنها تتيح—إذا توفرت هوامش الصراع المفتوح—إمكانية صراع داخلي داخل الأحزاب والمجتمع قد يقود تدريجيًا إلى ديمقراطية بأحزاب أكثر ديمقراطية.

أما إذا انغلقت هذه الهوامش، فإننا نكون أمام تمثيلية بلا تمثيل فعلي، أي ديمقراطية شكلية تُدير الاستقرار أكثر مما تنتج التغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى