
بقلم الصحافية بثينة المكودي
قبل بزوغ الشمس، يملأ الصباح البارد صمت القرى المغربية، على طرقات التراب الرطب، تتحرك النساء القرويات بخطوات هادئة وثابتة، يحملن سلالهن وأدواتهن، وكأنهن يحملن معهن الأرض نفسها، بين صفوف الحبوب وأشجار الزيتون والأركان تبدأ دورة يوم طويل من الزراعة والري والحصاد ورعاية المواشي، في مشهد يتكرر بلا كلل، بعيداً عن الأضواء وعيون الإعلام.
إلى أي حد تقوم الفلاحة على النساء؟
رائحة التراب المبلل، خرير الماء في القنوات الصغيرة، وألوان المحاصيل الممتدة على التلال، كلها عناصر في لوحة يومية تعكس الصبر والعمل المتواصل، حيث تتحول الجهود الصغيرة إلى إنتاج غذائي يشكل إحدى الركائز الصامتة للفلاحة المغربية.
وسط هذا المشهد الهادئ يبرز سؤال أساسي إلى أي حد تقوم الفلاحة المغربية على العمل اليومي للنساء القرويات؟
وإلى أي حد ما زال هذا الدور الحيوي غير مرئي داخل الأرقام والسياسات الفلاحية؟
في القرى المغربية، حيث يبدأ النهار قبل شروق الشمس وتتشكل الحياة وفق إيقاع المواسم الزراعية، تستيقظ آلاف النساء باكراً لبدء يوم طويل من العمل في الحقول، يحملن أدوات الزراعة ويتوجهن إلى الأراضي الفلاحية أو الضيعات، في مشهد يتكرر يوميا بعيدا عن الأضواء، لكنه يشكل أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الفلاحة المغربية.
حيث قبل أن تشرق الشمس فوق الحقول القروية بسوس، تكون فاطمة أيت علي قد بدأت يومها بالفعل، ترتب صناديق الخضر داخل ضيعة فلاحية بإقليم اشتوكة، بينما ينساب الضباب الخفيف فوق الأراضي الزراعية.
تقول وهي تواصل جني المحصول:
“نصل إلى الحقول منذ الصباح الباكر، نشتغل في الجني والفرز لساعات طويلة،العمل متعب لكنه مصدر رزقنا”.
مشهد فاطمة يتكرر يوميا في آلاف القرى المغربية، حيث تلعب النساء القرويات دورا أساسيا في استمرارية النشاط الفلاحي وتعزيز الإنتاج الغذائي. لكن خلف هذا الحضور القوي في الحقول يبرز سؤال أساسي إلى أي حد تقوم الفلاحة المغربية على عمل النساء القرويات؟

مساهمة أساسية في الإنتاج الفلاحي
تشير المعطيات المرتبطة بالقطاع الزراعي في المغرب إلى أن النساء يمثلن ما بين 50 و52 في المائة من اليد العاملة في الفلاحة، وهو ما يجعل هذا القطاع أكبر مجال لتشغيل النساء في العالم القروي.
كما تشير تقديرات مرتبطة بالعالم القروي إلى أن حوالي 6.5 ملايين امرأة مغربية يساهمن بشكل مباشر أو غير مباشر في الإنتاج الغذائي، سواء داخل الضيعات العائلية أو في الضيعات الفلاحية الكبرى.
حيث أن حضورهن اليومي في الحقول يجعل النساء القرويات جزء أساسي من دورة الإنتاج الزراعي، خصوصا في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الفلاحة العائلية.
الفلاحة العائلية… دعامة الاستقرار القروي
في عدد كبير من القرى المغربية، تعتمد الأسر القروية على الفلاحة العائلية كمصدر رئيسي للعيش.
وتلعب النساء دور محوري داخل هذا النموذج الزراعي، حيث يشاركن في زراعة المحاصيل ورعاية المواشي، إضافة إلى تخزين المنتجات الغذائية التقليدية وتحضيرها.
وتوضح الباحثة في قضايا التنمية القروية فاطمة الزهراء الراضي أن
« المرأة القروية تلعب دورا أساسيا في الحفاظ على استمرارية النشاط الفلاحي داخل الأسر القروية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الفلاحة الصغيرة ».
هذه الممارسات اليومية لا تساهم فقط في توفير الغذاء للأسر القروية، بل تساعد أيضاً على الحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي داخل القرى.
أرقام تعكس وزن النساء في الاقتصاد الفلاحي
تكشف الأرقام المرتبطة بالقطاع الفلاحي في المغرب حجم الدور الذي تلعبه النساء في دعم الإنتاج الزراعي والتنمية القروية.
فإلى جانب كونهن يشكلن أكثر من نصف اليد العاملة في الفلاحة، تشير المعطيات المرتبطة بالاقتصاد التضامني إلى أن المغرب يضم أكثر من 7,800 تعاونية نسائية تضم نحو 73 ألف عضوة، فيما يصل عدد النساء المنخرطات في الحركة التعاونية إلى حوالي 267 ألف امرأة.
ويبرز قطاع الأركان كأحد أهم النماذج الاقتصادية التي تقودها النساء في العالم القروي، حيث تحولت هذه السلسلة الإنتاجية خلال السنوات الأخيرة إلى نشاط اقتصادي مهم.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن قيمة صادرات زيت الأركان المغربي تجاوزت مليار درهم سنوياً، ما يجعل هذا المنتج أحد أبرز المنتجات المجالية التي تعزز الاقتصاد القروي.
أما على المستوى الوطني، فيظل القطاع الفلاحي أحد أعمدة الاقتصاد المغربي، إذ يساهم بحوالي 12 إلى 14 في المائة من الناتج الداخلي الخام ويوفر فرص الشغل لما يقارب 40 في المائة من اليد العاملة في العالم القروي.
اقتصاد الأركان… نموذج للتنمية المحلية

في جهة سوس ماسة، يمثل شجر الأركان أحد أبرز الأمثلة على ارتباط المرأة القروية بالتنمية الفلاحية.
فمعظم مراحل إنتاج زيت الأركان تتم بأيدي النساء، بدءا من جمع الثمار وتجفيفها، مرورا بتكسير النواة، وصولا إلى استخراج الزيت.
هنا يبرز شجر الأركان كنموذج واضح للدور الاقتصادي الذي تلعبه النساء القرويات.
وقد ساهم ظهور التعاونيات النسائية خلال السنوات الأخيرة في تحويل هذا النشاط التقليدي إلى قطاع اقتصادي مهم فمنتجات الأركان لم تعد مقتصرة على الأسواق المحلية، بل أصبحت حاضرة في الأسواق الدولية كمنتج طبيعي عالي القيمة.
كما وفرت هذه التعاونيات فرص عمل للعديد من النساء القرويات، وساعدتهن على اكتساب مهارات في التدبير والتسويق والعمل الجماعي، ما ساهم في تعزيز حضورهن الاقتصادي داخل مجتمعاتهن المحلي
تقول حليمة عضوة في تعاونية للأركان بإقليم تيزنيت:
« التعاونيات ساعدت العديد من النساء على العمل بشكل منظم وتحقيق دخل قار نسبيا ».
وتشير الفاعلة في الاقتصاد التضامني زبيدة الشكري إلى أن “التعاونيات النسائية ساهمت في تعزيز مشاركة النساء في الاقتصاد القروي، كما ساعدت على تثمين المنتجات المجالية”.
وفي هذا السياق، ترى الوزيرة السابقة والباحثة في قضايا المرأة نزهة الصقلي أن تمكين النساء القرويات يشكل مدخلا أساسيا لتعزيز التنمية القروية، مؤكدة أن
“تمكين المرأة القروية لا يرتبط فقط بتحسين دخلها، بل بتمكينها من الولوج إلى الموارد الاقتصادية مثل الأرض والتكوين والتمويل”.
وتضيف أن تعزيز حضور النساء داخل التعاونيات والمشاريع المدرة للدخل يمكن أن يساهم في تطوير الاقتصاد القروي وتحقيق تنمية أكثر استدامة
الوجه الخفي للفلاحة العصرية

إلى جانب الزراعة التقليدية، أصبحت النساء القرويات جزءا أساسيا من الفلاحة العصرية، خصوصا داخل الضيعات الفلاحية الكبرى التي تنتج الخضر والفواكه الموجهة للتصدير.
في هذه الضيعات، تقوم النساء بمهام دقيقة مثل جني المحاصيل، وفرز المنتجات الزراعية، وتوضيبها قبل نقلها إلى الأسواق أو محطات التصدير.
ورغم أهمية هذه المهام في الحفاظ على جودة المنتجات الفلاحية، فإن عددا من الفاعلين في مجال التنمية القروية يشيرون إلى أن ظروف العمل في بعض الضيعات لا تزال تطرح تحديات مرتبطة بالأجور والحماية الاجتماعية وظروف النقل.
ويرى عدد من المختصين أن هذا الحضور النسائي يعكس أهمية اليد العاملة النسائية في الحفاظ على استمرارية الإنتاج الفلاحي، خاصة في القطاعات الموجهة للتصدير.
نحو تعزيز الحماية الاجتماعية للعاملات في الفلاحة
ورغم هذا الدور الحيوي، يظل موضوع الحماية الاجتماعية أحد أبرز التحديات التي تواجه النساء العاملات في الفلاحة.
فالكثير من العاملات في الحقول يشتغلن في إطار غير مهيكل، وهو ما يحرم عددا منهن من الاستفادة الكاملة من التغطية الصحية أو التقاعد.
وتشير معطيات مرتبطة بسوق الشغل إلى أن أكثر من 56 في المائة من العمال غير المهيكلين في المغرب يشتغلون في القطاع الفلاحي.
وفي هذا الإطار، تؤكد الفاعلة الحقوقية في قضايا النساء والتنمية خديجة الرباح أن “المرأة القروية تتحمل أدوارا متعددة في آن واحد، فهي عاملة في الحقل ومدبرة للأسرة، وهو ما يجعل مساهمتها في الاقتصاد القروي أكبر بكثير مما يظهر في الأرقام ».
وترى أن الاعتراف بهذا الدور يمر عبر تحسين ظروف العمل وتوسيع الاستفادة من الحماية الاجتماعية لفائدة العاملات في القطاع الفلاحي.
وفي السياق ذاته، تؤكد الفاعلة الحقوقية عائشة السكماسي أن حماية النساء العاملات في القطاع الفلاحي أصبحت اليوم ضرورة ملحة، بالنظر إلى طبيعة العمل الذي يقمن به في الضيعات والحقول.
وتشير السكماسي إلى أن « العديد من العاملات الزراعيات يشتغلن في ظروف صعبة، دون حماية اجتماعية كافية أو ضمانات مهنية واضحة، رغم الدور الكبير الذي يلعبنه في استمرارية الإنتاج الفلاحي ».
وترى أن تحسين أوضاع العاملات في الفلاحة يمر عبر تعزيز آليات الحماية الاجتماعية وتطبيق القوانين المرتبطة بظروف العمل والنقل والسلامة المهنية.
إدماج العاملات الفلاحيات في منظومة الحماية الاجتماعية يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو تثمين دورهن الاقتصادي، خاصة وأن برنامج تعميم الحماية الاجتماعية في المغرب يستهدف استفادة أكثر من 22 مليون مغربي.
رهان التنمية الفلاحية
مستقبل الفلاحة المغربية مرتبط أيضا بقدرة السياسات الفلاحية على تثمين دور النساء القرويات.
فإلى جانب مساهمتهن في الإنتاج الزراعي، تلعب النساء دورا مهما في نقل المعارف الزراعية التقليدية والحفاظ على التوازن البيئي داخل القرى.
كما أن تطوير قدرات النساء داخل التعاونيات وتحسين ظروف العمل في الضيعات الفلاحية يمكن أن يساهم في تعزيز الإنتاج الزراعي وتحقيق تنمية قروية أكثر استدامة.
حين تصبح التنمية قصة نساء

بين الحقول وغابات الأركان والضيعات الفلاحية، تواصل النساء القرويات كتابة فصل مهم من قصة الفلاحة المغربية.
فبفضل عملهن اليومي وصبرهن الطويل، يسهمن في تعزيز الإنتاج الزراعي ودعم الاقتصاد القروي، ما يجعلهن إحدى الدعائم الأساسية للتنمية الفلاحية بالمغرب.
وفي قلب هذه الحقول، تبدو التنمية أحيانا قصة تكتبها النساء… بصمت، ولكن بأثر عميق.
على سبيل الخلاصة الأولية للتحقيق
يكشف هذا التحقيق أن الفلاحة المغربية تقوم بدرجة كبيرة على العمل اليومي للنساء القرويات، اللواتي يشكلن ما بين 50 و52 في المائة من اليد العاملة في القطاع الفلاحي، ويساهمن بشكل مباشر أو غير مباشر في الإنتاج الغذائي عبر الضيعات العائلية والضيعات الفلاحية الكبرى.
يظل دور النساء القرويات في كثير من الأحيان غير مرئي بشكل كافٍ داخل المؤشرات الاقتصادية والسياسات الفلاحية، خاصة في ظل انتشار العمل غير المهيكل وضعف الولوج إلى الحماية الاجتماعية.
يبرز التحقيق أن النساء يلعبن دوراً محورياً في الفلاحة العائلية والتعاونيات النسائية وسلاسل الإنتاج المجالية، وعلى رأسها قطاع الأركان، الذي تحول إلى نموذج للتنمية المحلية وخلق فرص الدخل في العالم القروي.
في المقابل، ما تزال العاملات في الحقول يواجهن تحديات مرتبطة بظروف العمل والأجور والنقل والحماية الاجتماعية، ما يجعل تحسين أوضاعهن المهنية والاجتماعية أحد الرهانات الأساسية لتعزيز التنمية القروية.
يؤكد هذا التحقيق أن مستقبل الفلاحة المغربية لا ينفصل عن تمكين النساء القرويات، عبر الاعتراف بدورهن الاقتصادي، وتوسيع فرص التكوين والتمويل، وتعزيز الحماية الاجتماعية وظروف العمل داخل القطاع الفلاحي.
تواصل النساء القرويات دعم الاقتصاد الفلاحي للمغرب، في عمل يومي هادئ لكنه يشكل ركيزة أساسية لاستدامة الإنتاج الغذائي والتنمية القروية.
تفرض النساء القرويات بالمغرب، بفضل العمل التعاوني، أنفسهن تدريجيا كفاعلات اقتصاديات حقيقيات في تنمية مجالاتهن الترابية، غير أن مسار التمكين هذا ما يزال يصطدم لدى العديد منهن بتحد كبير يتمثل في الأحكام المسبقة المرتبطة بالنوع الاجتماعي.


في القرى المغربية، حيث يبدأ النهار قبل شروق الشمس وتتشكل الحياة وفق إيقاع المواسم الزراعية، تستيقظ آلاف النساء باكراً لبدء يوم طويل من العمل في الحقول، يحملن أدوات الزراعة ويتوجهن إلى الأراضي الفلاحية أو الضيعات، في مشهد يتكرر يوميا بعيدا عن الأضواء، لكنه يشكل أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الفلاحة المغربية.




