
رحيل هابرماس: فيلسوف المجال العام الذي تعثّر أمام دماء غزة
° بقلم: أحمد نظير
فقد العالم أحد أشهر الفلاسفة المعاصرين بوفاة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عاماً.
وبرحيله يُطوى فصل مهم من تاريخ الفكر الأوروبي المعاصر، فقد كان اسمه حاضراً في قلب النقاشات الكبرى حول الديمقراطية والتواصل والعقلانية. إذ ترك إرثاً فكريا واسعا أثر في أجيال من الباحثين والطلاب.
درس هابرماس الفلسفة والاقتصاد والأدب الألماني بين عامي 1949 و1954، وبدأ حياته المهنية صحفياً مستقلاً. لكن كتاباته المبكرة جذبت انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو، أحد أبرز مؤسسي مدرسة فرانكفورت الفكرية مع ماكس هوركهايمر.
وكانت هذه المدرسة الفكرية تسعى إلى فهم الأسباب التي جعلت المجتمعات الحديثة، رغم تقدمها الفكري، تنزلق نحو أنظمة استبدادية مثل النازية.
غير أنّ رحيل الفيلسوف لا يمنع من مساءلة مواقفه، بل لعلّه يفرض ذلك أكثر من أي وقت مضى. فالرجل الذي بنى شهرته على الدفاع عن «المجال العام» والحوار العقلاني، بدا في لحظة تاريخية حاسمة وكأنه يتخلى عن هذه المبادئ حين تعلق الأمر بفلسطين.
بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، نشر هابرماس مع عدد من المفكرين الألمان بياناً يعلن فيه التضامن غير المشروط تقريباً مع إسرائيل، معتبراً ردها «مشروعاً»، ومحذراً من اتهامها بارتكاب إبادة جماعية. جاء ذلك في وقت كانت فيه غزة تتعرض لواحدة من أكثر الحملات العسكرية تدميراً في تاريخها الحديث، حيث كان المدنيون يُقتلون ويُهجّرون وتُسوّى أحياؤهم بالأرض.
كان موقف هابرماس بالنسبة لكثيرين صادماً. كيف لفيلسوف كرّس حياته للتنظير للعقلانية التواصلية أن يشارك في خطاب يخلط بين نقد سياسات الدولة الإسرائيلية ومعاداة السامية؟ وكيف يمكن لمن نظّر لفضاء تداولي مفتوح أن يصمت إزاء قمع النقاش حول حقوق الفلسطينيين، خصوصاً في ألمانيا؟
لقد بدا وكأن الفلسطينيين، في هذا المنطق، مطالبون بدفع ثمن تاريخ دموي لم يصنعوه هم: تاريخ الجرائم النازية التي ارتُكبت في أوروبا ضد اليهود. وكأن وجودهم نفسه يصبح عبئاً أخلاقياً على الضمير الأوروبي، أو عقبة أمام «القصة الخلاصية» التي تقول إن إقامة دولة إسرائيل هي الجواب النهائي على مأساة الهولوكوست.
بهذا المعنى، لم يعد الفلسطيني في هذا الخطاب سوى تفصيل مزعج في سردية أوروبية كبرى، سردية ترى في حماية إسرائيل واجباً أخلاقياً مطلقاً، حتى عندما يتحول ذلك إلى تبرير للعنف المفرط أو الصمت أمام مأساة إنسانية هائلة.
وقد عبّر عالم الاجتماع الإيراني-الأمريكي آصف بيات عن هذا الإشكال بوضوح حين تساءل في رسالة مفتوحة إلى هابرماس: ماذا جرى للمجال العام الذي بشّر به؟ أين ذهبت فكرة النقاش الحر عندما يصبح مجرد التعاطف مع الفلسطينيين مدعاة للاتهام أو الإقصاء؟
إن المفارقة المؤلمة أن الفلسفة التي بشّرت بالكونية وكرامة الإنسان تبدو، في هذه اللحظة، وكأنها تعود إلى حدودها الضيقة: حدود أوروبا وذاكرتها الخاصة. فحين يصبح حق شعب في الحياة غير قابل للنقاش، بينما يُعامل حق شعب آخر كأنه قابل للتفاوض أو حتى للمحو، فإن الحديث عن الكونية يفقد كثيراً من معناه.
ولعل ما كشفته مأساة غزة هو أن جزءاً مهماً من الفلسفة الأوروبية، رغم ادعائها العالمية، ما يزال أسير مركزية أوروبية عميقة، ترى العالم من خلال جراحها الخاصة وتطلب من الآخرين أن يتحملوا تبعاتها.
رحم الله هابرماس، فقد كان بلا شك واحداً من أهم العقول الفلسفية في عصرنا. لكن إرث الفلاسفة، مثل إرث السياسيين، لا يُقاس فقط بما كتبوه في الكتب، بل أيضاً بالمواقف الأخلاقية التي اتخذوها عندما وُضعت مبادئهم على المحك. وفي لحظة غزة، شعر كثيرون بأن الفلسفة التي دافعت عن العقل والحوار قد صمتت طويلاً أمام صرخة الضحايا.





