
لم يعد الحديث عن إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب مجرد نقاش تقني محصور في تقارير المؤسسات، بل تحول إلى قضية رأي عام تلامس قلق فئات واسعة من المواطنين، خاصة في ظل المؤشرات المتسارعة التي تنذر باختلال التوازنات المالية للصناديق، ومع اقتراب عرض مشروع الإصلاح على البرلمان خلال ربيع 2026، تجد الحكومة نفسها أمام اختبار دقيق بين ضرورات الاستدامة المالية ومتطلبات العدالة الاجتماعية، في سياق يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
أرقام صادمة تكشف هشاشة النظام
تكشف المعطيات الرسمية الواردة في تقرير المؤسسات العمومية المرفق بمشروع قانون مالية 2026 أن العجز التقني للصندوق المغربي للتقاعد، خاصة في نظام المعاشات المدنية، بلغ حوالي 9.24 مليار درهم، وهو رقم يعكس عمق الأزمة البنيوية التي لم تعد تنفع معها الحلول الجزئية، والأخطر من ذلك أن التوقعات تشير إلى احتمال نفاد الاحتياطيات المالية بشكل كامل في أفق 2028، ما يعني أن الصندوق قد يجد نفسه عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته تجاه المتقاعدين، في مشهد يطرح تساؤلات حادة حول مستقبل الحماية الاجتماعية برمتها.
بين حتمية الإصلاح وكلفة القرار السياسي
تصف الحكومة هذا الإصلاح بأنه”خيار وطني حتمي”، وهي عبارة تختزل حجم الضغط الذي تواجهه الدولة، ليس فقط من زاوية الأرقام، بل أيضاً من زاوية التوازنات السياسية والاجتماعية، فكل إجراء محتمل، سواء تعلق برفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات أو مراجعة طريقة احتساب المعاش، يحمل كلفة سياسية مباشرة، خصوصاً في ظل رفض نقابي متصاعد وتحفظ شعبي مشروع، يرى في هذه الإجراءات تحميلًا إضافياً للأجراء بدل البحث عن حلول أكثر شمولية وعدالة.
مفارقة العدالة الاجتماعية في زمن التقشف
المفارقة الصارخة في هذا الملف أن الإصلاح يأتي في وقت تتزايد فيه الفوارق الاجتماعية، حيث تشير تقارير رسمية إلى أن نسبة مهمة من المغاربة لا تستفيد أصلاً من أي نظام تقاعدي، خاصة في القطاع غير المهيكل الذي يمثل أزيد من 60% من سوق الشغل. في المقابل، يُطلب من الفئة المهيكلة تحمل عبء إصلاح نظام يعاني من اختلالات تراكمت لعقود، نتيجة سوء الحكامة وضعف المردودية الاستثمارية، وهو ما يطرح سؤالاً حقيقياً حول من يجب أن يدفع ثمن الأزمة.
نهب صامت… حين تُستنزف الصناديق ثم يُطلب إنقاذها
وفي ذات السياق، فإن الزاوية الأكثر إثارة للحنق تكمن في تاريخ تدبير هذه الصناديق. فبينما يُطلب اليوم من الموظف “التضحية” لإنقاذ نظام التقاعد، يتردد في الذاكرة الجماعية حديث طويل عن سوء الحكامة واستعمال الاحتياطيات في تغطية اختلالات أخرى أو تمويل سياسات ظرفية و اختلاسات بدون رقيب، والمفارقة الصارخة أن الصناديق التي استُنزفت لسنوات تُعاد اليوم إلى الواجهة كـ”مريض يحتاج إلى إنعاش”، لكن بفاتورة يتحملها نفس المساهمين الذين لم يقرروا يومًا كيفية تدبير أموالهم.
نحو أي نموذج للتقاعد يسير المغرب؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن المغرب يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد الإصلاح خياراً بل ضرورة، لكن طبيعة هذا الإصلاح هي التي ستحدد مدى قبوله أو رفضه.. فإما أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الثقة عبر إصلاح شمولي يوازن بين الاستدامة والإنصاف، أو يتحول إلى مجرد إجراء محاسباتي يرحّل الأزمة اجتماعياً ويؤجل انفجارها سياسياً، وبين هذا وذاك، يظل المتقاعد المغربي، الحالي والمستقبلي، الحلقة الأضعف في معادلة تتقاطع فيها الأرقام مع مصائر الناس.





