
في خطوة تعكس توجهاً متسارعاً نحو تحديث الإدارة المغربية، أعلنت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا” إطلاق نظام جديد لعصرنة فرز وتوزيع رخص السياقة وشهادات تسجيل المركبات، بشراكة مع مجموعة بريد المغرب، وذلك خلال حفل رسمي أشرف عليه وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، اليوم الأربعاء ببوسكورة، بحضور المدير العام لمجموعة بريد المغرب أمين ابن جلون التويمي.. وتدخل هذه المبادرة ضمن ورش أوسع لإعادة هيكلة الخدمات الإدارية المرتبطة بالنقل، والتي ظلت لسنوات موضوع شكاوى المواطنين بسبب البطء والتعقيد وطول آجال التسليم.
من الإدارة التقليدية إلى اللوجستيك الذكي
وفق المعطيات الرسمية، سيعتمد النظام الجديد على تجميع الوثائق مباشرة بعد طباعتها من طرف دار السكة التابعة لبنك المغرب، ثم تحويلها إلى مركز متخصص للفرز الآلي باستخدام تقنيات حديثة، قبل توزيعها على أكثر من 700 وكالة تابعة لبريد بنك وبريد كاش بمختلف جهات المملكة.
ويتميز هذا النموذج في كونه يلغي المرور عبر المصالح الإقليمية والمحلية التابعة لـ”نارسا”، وهي الحلقة التي كانت تُتهم غالباً بإطالة المساطر وتراكم الملفات.
وبلغة الأرقام، تتوقع الجهات المشرفة معالجة أكثر من 1.5 مليون وثيقة خلال السنة الجارية، مع احتمال مضاعفة الرقم خلال السنتين المقبلتين، ما يعكس حجم الطلب المتزايد على خدمات النقل والتسجيل بالمغرب.
تقليص الانتظار.. مكسب اجتماعي مباشر
أحد أبرز الوعود المرتبطة بالمشروع هو تحديد أجل إيصال الوثائق إلى الوكالات في مدة لا تتجاوز 72 ساعة، مع تقليص المدة الإجمالية للتسليم بأكثر من شهرين.. معطى يحمل بعداً اجتماعياً مهماً، لأن التأخر في تسليم رخص السياقة أو البطائق الرمادية لا يعني فقط تعطيل وثيقة إدارية، بل قد يعرقل العمل والتنقل والأنشطة المهنية، خاصة بالنسبة للسائقين المهنيين، وأصحاب سيارات الأجرة، وشركات النقل، والأسر التي تعتمد على المركبات في تنقلها اليومي.
كما أن تقريب الخدمة عبر شبكة بريد المغرب يخفف العبء عن المواطنين في المناطق البعيدة، حيث كانت بعض الفئات تضطر إلى التنقل لمسافات طويلة من أجل وثيقة بسيطة.
اقتصاد الوقت.. وإدارة أقل كلفة
الإصلاح الإداري لم يعد يُقاس فقط بعدد الموظفين أو المكاتب، بل بقدرة المؤسسة على ربح الوقت وخفض الكلفة، فكل يوم تأخير في تسليم الوثائق يعني ضغطاً إضافياً على المرافق، وتكاليف غير مباشرة على المواطنين والمقاولات.
ويأتي هذا المشروع في سياق وطني أوسع للرقمنة، بعدما سجل المغرب تقدماً تدريجياً في الخدمات الإلكترونية، خاصة في مجالات الضرائب، والسجل التجاري، والجمارك. غير أن قطاع النقل ظل بحاجة إلى قفزة مماثلة بالنظر إلى توسع حظيرة السيارات، التي تجاوزت ملايين المركبات المسجلة وطنياً.
نجاح المشروع رهين بالتنفيذ
رغم الطابع الإيجابي للمبادرة، فإن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بالإعلان الرسمي، بل بمدى احترام آجال التسليم، وتفادي الأعطاب التقنية، وضمان جودة الاستقبال داخل الوكالات، خاصة في فترات الضغط.
فالمواطن المغربي لم يعد ينتظر الشعارات، بل نتائج ملموسة: وثيقة تصل في وقتها، خدمة واضحة، وإدارة تحترم زمن المرتفق، وإذا نجحت “نارسا” في ذلك، فستكون قد ربحت أكثر من مشروع لوجستيكي… ستكون قد ربحت ثقة المواطن.




