
أعلن وزير الصناعة والتجارة رياض مزور أن الحكومة تتجه نحو دعم تصنيع الكراسي المتحركة محلياً لفائدة المغاربة في وضعية إعاقة وذوي الصعوبات الحركية، مع الالتزام بالمعايير الصناعية المعتمدة.. ، يفتح مزوار بهذا التصريح ملفا ثقيلاً ظل لسنوات مركوناً في زاوية الإهمال: كيف لدولة تتحدث عن السيادة الصناعية أن تظل عاجزة عن توفير وسيلة تنقل أساسية لملايين المواطنين؟
2.8 مليون مغربي خارج راحة الحركة
وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن نحو 2.8 مليون مغربي يواجهون صعوبات في التنقل اليومي، بسبب الإعاقة أو التقدم في السن، الرقم وحده كافٍ لإظهار حجم الطلب الكامن، لكنه أيضاً يكشف هشاشة السياسات الاجتماعية الموجهة لفئة واسعة لا تزال تُعامل غالباً بمنطق الإحسان بدل منطق الحقوق.
وفي بلد يتسارع فيه التشيخ الديمغرافي، حيث ترتفع نسبة كبار السن تدريجياً، فإن الحاجة إلى وسائل التنقل المساعدة لن تكون استثناءً، بل ستتحول إلى ضرورة اقتصادية وصحية واجتماعية، ومع ذلك، ظل هذا السوق شبه غائب عن الرؤية الاستثمارية لسنوات، وكأن كرامة المواطن ليست فرصة صناعية تستحق الدراسة.
الصين تتحكم.. والمغرب يستهلك
في هذا السياق، أوضح مزور أن السوق الوطنية تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، خصوصاً من الصين، التي توفر هذه الكراسي بكميات ضخمة وأسعار تنافسية، وهنا تتكرر الحكاية المغربية المعتادة: نستورد ما يمكن تصنيعه، ونشتكي من البطالة، ثم نتحدث عن تشجيع الاستثمار في الندوات.. حيث كشفت الوزارة أنها أدرجت ضمن “بنك المشاريع” فرصتين استثماريتين لتصنيع الكراسي اليدوية والكهربائية، غير أن المستثمرين لم يبدوا إلى الآن اهتماماً مباشراً، وربما لأن رأس المال، بطبعه، يفضل المشاريع الأسرع ربحاً من خدمة فئة تحتاج دعماً عمومياً أكثر مما تحتاج شعارات.
ورشات الظل.. حين يعوض الفقراء غياب الدولة
في المقابل، نشأ قطاع غير مهيكل تقوده ورشات صغيرة تقوم بتصنيع كراسٍ بوسائل بسيطة، أو تحويل الكراسي اليدوية إلى كهربائية عبر تركيب محركات، هذا الاقتصاد الموازي لا يتحرك بدافع الابتكار فقط، بل بدافع الفراغ الذي تركته المؤسسات، و تقدم هذه الورشات حلولاً أقل كلفة؛ إذ تتراوح أسعار الكراسي المعدلة محلياً بين 3000 و3500 درهم، مقابل ما بين 8000 و14000 درهم للكراسي الكهربائية المصنعة صناعياً، فارقٌ السعري يفسر لماذا يختار المواطن البسيط الحل الأرخص، حتى لو كان أقل أماناً أو جودة.
من الإحسان إلى صناعة بنفس حقوقي
لا يكمن الرهان الحقيقي ف إنتاج كرسي متحرك فقط، بل يتعداه الى بناء منظومة وطنية تجمع بين الجودة والسعر المناسب والدعم الاجتماعي، فتصنيع هذه الوسائل محلياً يمكن أن يخلق فرص شغل، ويخفض فاتورة الاستيراد، ويمنح آلاف الأسر متنفساً مالياً.
لكن النجاح يتطلب أكثر من تصريحات برلمانية؛ يحتاج إلى تحفيزات ضريبية، طلب عمومي منظم، مواكبة تقنية للورشات الصغيرة، وإدماج ذوي الإعاقة في رسم السياسات بدل الحديث باسمهم، وإلا سنظل ننتج الخطب، بينما يواصل المواطن دفع ثمن الحركة من جيبه وكرامته.




