رأي/ كرونيك

كمال عبداللطيف يكتب:اليسار المغربي والديمقراطية الداخلية

تتجه هذه المقالة إلى التفكير في علاقة أحزاب اليسار المغربي وتياراته بالديمقراطية الداخلية، ديمقراطية المؤسسات السياسية والمدنية في عالم جديد، وفي مجتمع يعرف تحوُّلاتٍ عديدةٍ في المعرفة والاتصال والقيم، على الرغم من صُوَر الحصار التي ما تزال تَحُدُّ من طموحاته في التحرُّر والتنمية.
لم يعد ممكنا أن تستكين الأجيال التي انخرطت في العمل السياسي، في الثلث الأخير من القرن الماضي، للطُّرُق والأساليب التي اعتادت عليها الأجيال السابقة، فقد تغيرت القيم، وحصلت تحوُّلاتٌ كثيرة تدعو إلى أنماط جديدة من السلوك والعمل، وبدأنا نقترب من أخلاق المواطنة وتكافؤ الفرص. ويمكننا القول، بشجاعة، إنه آن أوان تجاوز قيم أخويات الحركة الوطنية، بما لها وما عليها.
وإذا كنا نعرف أن انشقاقاتٍ كثيرة في صفوف اليسار المغربي تعود، في جوانب منها، إلى تناقضاتٍ تتعلق بنمط تدبيرها لاختلافاتها، أدركنا أهمية إيلاَءِ مسألة الاختلاف والحوار وبناء التَّوَافُقَات والمواقف أهميةً خاصة، باعتبار أنها مُحدِّد مركزي في آليات العمل السياسي في مختلف جوانبه. هذا عن الانقسام الأول الذي حصل في الحركة الاتحادية التقدُّمية في بداية انفصالها عن حزب الاستقلال سنة 1959، ثم الانقسامات التي تلاحقت بصورة مُتَكَرِّرَة، لتُشكِّل واحدةً من أبرز سِمَات اليسار المغربي. ولا يراد أن يُفهم هنا أن هذا تفسير للظواهر في العمل الحزبي بعامل واحد، ذلك أن مبرّرات حصول معطيات مُعَيَّنَة في العمل الحزبي تخضع لتضافر جملة من العوامل المركَّبة، إلاَّ أنه لا أحد يستطيع أن يستبعد التأثير القوي لتغييب آليات العمل الديمقراطي في تنظيماتنا الأولى في المغرب.
يبرز المزعج في الانقسامات والانشقاقات في استسهال أصحابها فعل الانشقاق، والأكثر إزعاجاً يَتَمَثَّل في الطابع السيكولوجي الذي أصبحت تتخذه بعض عمليات تجميد العمل أو التهيؤ
“آلية العمل الديمقراطي تُعَدُّ الأكثر نجاعة في إنجاح مسلسلِ جمع اليسار المغربي” للانشقاق، حيث يتحوَّل الحزب إلى مجموعاتٍ متنافرة، ينبذ بعضها البعض الآخر بطريقةٍ لا علاقة لها بالعمل السياسي، ولا علاقة بينها وبين العمل السياسي المؤسسي.
توجّه، في دراساتٍ كثيرةٍ مرتبطة بالأحزاب السياسية المغربية، مؤخذات عديدة إلى فصائل اليسار، على الرغم من تَنَوُّعِها، وتتمثَّل في محافظة قياداتها وأطرها على قيمٍ كثيرة تعلّمتها من الجيل السابق عليها، وهي قِيمٌ لم تعد مناسبةً لما يجري اليوم في مجتمعنا وفي العالم. والإشارة هنا إلى محدودية الأداء الديمقراطي داخل هياكلها الحزبية وأجهزتها.
استند العمل الحزبي اليساري إلى شروطٍ ارتبطت بكفاح الوطنيين المغاربة من أجل الاستقلال، في شروط مجتمعاتٍ تُعاني من طغيان الأمية، ومن قيود الاستعمار وكوابحِه (النصف الأول من القرن العشرين). وقد أفْرَز العمل الوطني، في صيغه التنظيمية الأولى، أَخَوِيَّات واتحاداتٍ اعتمدت كثيراً على المؤهلات الذاتية التي كانت تعكسها طموحات بعض رجالاته وقدراتهم، إضافة إلى مُتَطَلَّبَات العمل الوطني في بلد مُسْتَعْمَر.
لا ينبغي إغفال الإشارة إلى التقليد الذي رسخته تجارب البلدان والأحزاب الاشتراكية التي وصلت إلى مواقع السلطة في منتصف القرن الماضي، حيث كانت تُعْطَى الأولوية لمشروع التنمية على حساب التدابير الديمقراطية، الأمر الذي تَمَّ تَداركه لاحقاً في تجارب أخرى، كما ظهرت بوادر وعلامات تَجَاوُزه في اليسار المغربي، وأصبحت الديمقراطية وآلياتها في الضبط والتدبير تقع في صلب العمل السياسي.
نعرف اليوم أن تطوُّر العمل الحزبي المؤسسي يقتضي إنجاز قفزة تنظيمية جديدة، بالصورة التي تُمَكِّن من بناء هياكل وأجهزة مناسبة لروح المؤسسات في مجتمع جديد، تعمل انطلاقاً من فضاءات وَوِفْقَ آليات تختلف كليا عن الآليات التي ساهمت في ضبط الآلة الحزبية في زمن آخر، زمنٍ وَلَّى برجالاته وقيمه.
وقد لا يجادل أحد في أن مآزق كثيرة عَطَّلَت قوَى اليسار في بلادنا، تعود، في جانب مهم منها، إلى غياب التحديث المؤسسي، حيث تواصل مطالبة النظام السياسي في المجتمع المغربي
“تطوُّر العمل الحزبي المؤسسي يقتضي إنجاز قفزة تنظيمية جديدة” بالتحديث والمأسسة والمساءلة، في وقت تواصل فيه بعض أطرها معاملةَ الأجيال الجديدة بأساليب في العمل تشير إلى قيم اندثرت. فإذا كانت النُّخَب التي بَنَت الأطر الأولى للعمل الحزبي التقدُّمي، المُتَحَرِّر من طقوس تنظيمات الزوايا والمريدين، جملة من العناصر التي يُفترض أنها كانت تمهد لأنماط التعاقد التي أصبحت اليوم جزءاً من مقوِّمات العمل السياسي المؤسسي، إلاَّ أنها لم تُتخذ في الأحزاب اليسارية المغربية الصِّيَغ القانونية التي تنقل هذه الأحزاب من نظام الأخويات التقدُّمي إلى نظام الحزب المُؤَسَّسَة، كما نشأ وتطوَّر في المجتمعات المعاصِرة داخل الأنظمة السياسية الديمقراطية.
يُستنتج أن آلية العمل الديمقراطي تُعَدُّ الأكثر نجاعة، في إنجاح مسلسلِ جمع اليسار المغربي. وإذا كان مؤكَّدا أن أغلب أحزاب اليسار اليوم تناضِل من أجل المشروع الديمقراطي، فإن عنايتها بدمقرطة مؤسستها الحزبية خير دليل على تفاعلها مع مقتضيات المجتمع الجديد الذي تتطلع إليه.
عن العربي الجديد

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى