في الواجهة

سعيدة الحاجي.. تحدي مطبات الطريق نحو نجاح مغربية أسرها أرخبيل الرأس الأخضر

لم يدر بخلد سعيدة الحاجي التي تركت مسقط رأسها في يونيو من العام 2008، أن المغامرة التي كانت على وشك خوض غمارها نحو السنغال ستقودها بعد بضعة أشهر فقط إلى الرأس الأخضر، ذلك الأرخبيل الذي لم تكن تعلم من قبل حتى وجهته على الخريطة.

لم يكن بإمكان سعيدة التي رأت النور في كنف عائلة متواضعة بالعاصمة الروحية للمملكة، مواصلة دراستها لما بعد السنة التاسعة من التعليم الثانوي لأسباب عائلية، ما دفعها إلى البحث مبكرا عن فرصة عمل في بيئة شحيحة الفرص وملحاحة المؤهلات.

فهذه الشابة “الفاسية” لا تملك في رصيدها أي شهادة تعليمية، لكنها تتقن أيما إتقان تفاصيل وأسرار أطباق تراث الطبخ الوطني الغني، ما جعلها تثير اهتمام عائلة مجاورة تقيم بالسنغال التي اقترحت عليها عام 2008، مرافقتها إلى دكار ، كمساعدة في الأعمال المنزلية والطبخ.

عرض ما كان لسعيدة إلا أن تقبل به من دون تردد، لاسيما وأن الأمر يتعلق بفرصة عمل في الخارج قد يعز نظيرها أو يكاد لمثيلاتها في مستواها في ظل غياب بدائل أخرى، فقررت، بعدها بأيام، حزم أمتعتها وشق طريقها صوب السنغال.

فاس-دكار، بداية المغامرة

في رحلة من أربعة أيام، اكتشفت سعيدة لأول مرة في حياتها بيئة جديدة، بدءا من الأقاليم الجنوبية والحدود الموريتانية السينغالية وصولا إلى دكار التي حطت الرحال بها يوم 12 يونيو سنة 2008، ووصفت شعورها ذاك بالقول إن “الأمر كان بالنسبة لي بداية المغامرة، مغامرة كبيرة”.

وكشفت الشابة المغربية في بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، انطباعاتها عن وقع ذلك التحول “الأكبر” في حياتها الهادئة المسالمة، ولهفتها لاكتشاف أماكن لم تكن من قبل تتخيل زيارتها، ولكن أيضا قلقها من المجهول الذي قد تنطوي عليه غربتها وبعدها عن ذويها، فضلا عن هاجس تلقائي يخيفها من الحياة في السنغال وعاصمته دكار.

لم يمضي وقت طويل حتى تأكدت مخاوف سعيدة، بعد أن واجهت في دكار سلوكا عدائيا من جانب العائلة المضيفة وفي ظل تعامل وظروف عمل لا يمكن تحملها وت ناقض، بحسب قولها، الوعود المقدمة لها في فاس.

وبفضل تسلحها بخبرتها في الطبخ، لم تتأخر الشابة المغربية في الولوج سريعا إلى سوق الشغل حيث انضمت للعمل بعد بضعة أشهر لفريق العمل بمطعم مغربي بالعاصمة السينغالية.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد واجهت سعيدة من جديد واقعا لا يطاق، وتستحضر ذلك بمرارة قائلة “صاحب المطعم تمادى في استغلالي، نظير الإيواء وبدون مقابل، بل قد حاول احتجازي هناك مكرهة”.

بعد هذه التجربة القاسية، انضمت سعيدة، التي بدأ صيتها في مجال الطبخ يتردد صداه في العاصمة السنغالية، إلى فريق الطبخ بقصر مهم في دكار، وهو المنصب الذي مكثت فيه إلى أن غادرت صوب الرأس الأخضر.

ابتليت هذه الشابة بمرض الملاريا، وفقدت وظيفتها بعد توقف نشاطها بسبب هذا الداء، لتصارع ردحا من الزمن قبل أن تحملها الصدفة لمقابلة دبلوماسي عرض عليها العمل في أروقة قنصلية عربية في برايا بالرأس الأخضر. توكلت وحزمت حقائبها واتجهت إلى أرخبيل لم تسمع أحدا قد نبس عنه ببنت شفة.

يقع هذا البلد على بعد حوالي 500 كيلومتر من دكار ، وسط المحيط الأطلسي، هكذا تتذكر سعيدة الإجابة على سؤالها عن موقع وجهتها الجديدة وتصف بحماسة العشق الذي أصابها ما إن وطأت قدماها عاصمة الرأس الأخضر برايا.

برايا، صفعة عشق ..

بعد أن وصلت إلى برايا في 22 أكتوبر 2009، عملت حتى عام 2014 بالسفارة العربية التي كانت تؤمن فيها أعمال الترجمة (العربية-الفرنسية)، لكنها لم تقطع حبل الود مع الطبخ المغربي التي قدمته إلى موظفي القنصلية وعرفت به في الأعياد وتظاهرات الطبخ في الرأس الأخضر.

وقالت هذه الشابة التي تعملت وأتقنت البرتغالية، اللغة الرسمية في الرأس الأخضر إضافة إلى “كريول” لهجة السكان المحليين، “بعد هذه التجربة الغنية، قررت أن أدشن عملي الخاص”.

كانت “مجزرة حلال” أول مشروع أحدثته الشابة المغربية التي نجحت في ظرف وجيز في أن تحوز رضى واستحسان شريحة واسعة من الزبناء، ليس من المسلمين وحسب، ولكن أيضا من اللذين استحسنوا جودة اللحوم والأطعمة المعدة بالبهارات المتنوعة بلمسة مغربية خالصة.

ولسوء الحظ ، تستدرك المتحدثة بمرارة، لم يعمر هذا المشروع طويلا بسبب خلاف نشب مع مالك المحل وتعرض معه المتجر للسرقة، “لأجد نفسي، بعد ستة أشهر من العمل، في المربع الأول، بدون أموال ولا عمل”.

غير أن هذه الشابة ستتسلح بالعزم والمثابرة، حيث استعانت في ذلك بأجندة عناوينها وشبكة المعارف التي تمكنت من نسجها في برايا وفي جميع أنحاء الرأس الأخضر بفضل ديناميتها وانفتاحها على الآخر، فضلا عن هبة التواصل السلس التي تمتاز بها.

تحظى هذه الشابة بقبول لافت في الرأس الأخضر حيث يتم المناداة عليها ب “زايدة”، التي حلت محل اسمها “سعيدة” التي يناسب نطقها محليا ما معناه بالبرتغالية “خروج”، وتؤكد في هذا الصدد قائلة “لا أستطيع تحمل فكرة الخروج من هذا البلد الجميل”.

باتت سعيدة أيقونة محلية حقيقية، تحظى بتقدير الجميع وهي التي أسرت قلوب سكان الرأس الأخضر الذين تبنوها وباتوا يعتبرونها واحدة منهم.

تؤكد زايدة أو سعيدة أنه يمكن اعتبارها المغربية الوحيدة التي تقيم بشكل دائم في سانتياغو، الجزيرة التي تضم العاصمة برايا، لافتة الانتباه إلى أنه بصرف النظر عن عدد قليل من المواطنين غير المقيمين وممثل الخطوط الملكية المغربية، ف”إنني لا أعرف إلا مغربيا وحيدا يقيم في سال”، وهي جزيرة أخرى في أرخبيل الرأس الأخضر.

بعد أن تمكنت سعيدة من تخطي كبوتها سريعا، أحدثت وكالة عقارية حيث بدأت كوسيطة بين الأصدقاء من الرأس الأخضر المتواجدين في المهجر، من مالكي العقارات في البلد، والزبناء من السياح الباحثين عن سكن للإيجار.

واليوم، يمضي هذا المشروع الذي تتم إدارته من المنزل عبر الأنترنيت، يمضي قدما وبخطوات واثقة، كما تدير معه نشاطا إضافيا يتمثل في تأجير السيارات.

وموازاة مع هذا النشاط الذي ما فتئ ينمو، تلقت سعيدة حديثا عرضا من علامة تجارية أمريكية لمستحضرات التجميل التي اختارتها لتمثيلها في الرأس الأخضر.

وأوضحت أنه “بناء على اقتراح زبناء العلامة التجارية الذين يعرفونني ويقدرونني، أصبحت الممثل الرسمي لمنتجات الشركة”، مشيرة إلى أنها أنشأت بنية تسويقية ديناميكية لتنفيذ مهمتها الجديدة.

المرح، وعشق الحياة والعصامية والحيوية والإرادة، صفات صنعت اسم سعيدة التي تتملكها لهفة النجاح، تلك اللهفة التي أثمرت نجاج مغربية أسرها أرخبيل الرأس الأخضر بعد تخطيها لأشواك ومطبات الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى