محمد شحرور: سجال لن ينتهي بالرحيل (فيديوهات)

0

عاصف الخالدي
كاتب أردني

إثر رحيل محمد شحرور،  أول من أمس السبت، وبعد مسيرة طويلة في الكتابة والتفكير في شؤون الإصلاح الديني، ظهر سجالٌ لافت، عبّرت عنه الآراء المتباينة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، حول ما أنتجه عبر تجربته النقدية منذ العام 1990 حين نشر مؤلفه الشهير “الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة” وإلى لحظة وفاته عن عمر ناهز 81 عاماً، بعد تركه العديد من المؤلفات التي حاول من خلالها القول إنّ العقل الناقد قادرٌ على بناء هياكل مذهبية جديدة، ضمن رؤية إنسانية وكونية للدين.

وقد رأى نقاد ومختصون وكتاب، أنّ هذا المفكر الإسلامي المعاصر، يعدّ، رغم اختلاف بعضهم معه، مفكراً لم تقد أفكاره إلى أي نوع من العنف أو الكراهية، إضافة إلى أنّه ترك مشروعاً جديراً بالقبول أو النقد، وبالأخذ والرد، من باب إثراء الفكر العربي الإسلامي.

كتب ومؤلفات الراحل محمد شحرور

بعد بحث واجتهاد

ولد محمد شحرور في كنف عائلة سورية بسيطة العام 1938 في مدينة دمشق؛ حيث تلقى تعليمه الأول هناك، ثم تدرج في شبابه، فدرس في جامعة موسكو ومن ثم في جامعة دبلن، إلى أن حصل على شهادة في الهندسة المدنية، وأصبح في العام 1982 أستاذاً للهندسة في جامعة دمشق. إلا أنّ عقله تجاوز حدود الأرقام العلمية والهندسة، وبدأ بعد منتصف السبعينيات بدراسة علوم الدين الإسلامي والفقه، معتمداً في دراسته على إعمال العقل كما قال في مقابلات عديدة.

حسام الدين درويش: شحرور أدخل الكثيرين جنة التفكير، فحكم عليه كثيرون بجهنم التكفير

 

وعن أسلوبه في الطرح والتفكير، بعد أن تخصص نهائياً في شؤون الفكر الإسلامي  بعد العام 1990، يتحدث أستاذ الفكر الإسلامي المعاصر الدكتور مولاي صابر فيقول:
“اطلعت على كتاب محمد شحرور (الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة) العام 1996، والتقيته أول مرة في مكتبه بدمشق العام 2007 بعد بحث واجتهاد فيمن يدلني عليه.. كان رجلاً متواضعاً وهادئاً حين حدثني بصحبة بعض الأصدقاء عن أفكاره وأسلوبه، لقد تميز بقدرته العجيبة على أن يجعل من أي سؤال أو إشكال أو نقد لأفكاره جزءاً من مشروعه الفكري والنقدي”.

وبسؤاله عن أهمية طروحات شحرور، إضافة إلى أسلوبها، أجاب الباحث المغربي في تصريحه لـ “حفريات”: “تميز محمد شحرور بأنّه التقط أهمية المنهجية في التعاطي مع النص المؤَسِّس؛ أي القرآن الكريم؛ إذ ركّز بحثه على سؤال المنهج المتعلق بالتعامل معه، وهو سؤال في غاية الأهمية في الزمن الحاضر أكثر من أي وقت مضى؛ فمسألة  الإصلاح الديني والثقافي في العالم الاسلامي اليوم، لا بد لها أن تمر من خلال بناء علاقة منهجية معاصرة مع القرآن الكريم”.
وينوّه إلى أنّ خلفية شحرور في الرياضيات والهندسة والمنطق، أسهمت في تنبّهه إلى ضرورة بناء أرضية معرفية صلبة في التعامل مع نصوص الدين الإسلامي الكريم، ويؤكد صابر، الذي التقى شحرور مراتٍ عديدة بعد العام 2007، أنّه ورغم كون “مشروعه لا يعلو على النقد، إلا أنّه يحسب له، أنّه شجّع الشباب والمثقفين والقراء والباحثين، على النقد والتفكير الحر، وطرح الأسئلة، وإعمال العقل”؛ حيث أسهم في إظهار شيء من صورة الإسلام العظيم بروحه الأخلاقية والقيمية والمعرفية.

رُقيّ الاختلاف

أسهمت أفكار شحرور في دعم الاختلاف والنقاش، وربما وقف العديدون ضد طروحاته، لكن سجالهم النقدي في حدود الفكر، ومن أجل خدمة الحضارة العربية الإسلامية، ظل سجالاً مهماً، وهذا هو ما طرحه الروائي والكاتب السوري أنور السباعي، الذي أكد أيضاً أنّ تجربة شحرور النقدية واللغوية كما رآها ورغم “تكلّفها” إلا أنّها خرجت “برؤية إنسانية معاصرة للإسلام، ربما أسهمت في متابعة الكثيرين لأفكاره، والاهتداء بها، ضد أي نوع من التوحش الذي يحاول البعض نسبه إلى الإسلام على أنّه أصلٌ أو تقليد”.

ويقول السباعي في تصريحه لـ “حفريات” إنّ لبّ المشروع الشحروري “لغوي قام على نقد المترادفات، وساعد عديدين على فهم الإسلام بصورة أوسع وأرحب، لكنه كذلك بحاجة إلى من يفهم القواعد التي حاول شحرور تثبيتها، ونقاش هذه القواعد المعرفية، والبناء عليها، إن صح ذلك، فقد نسف العديد من المفاهيم السائدة، وحثّ الآخرين على النقد”.

وإذا ما كان صاحب كتب “الإسلام والإيمان”، و”نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي”  و”الدولة والمجتمع” قد قدّم مشروعاً إصلاحياً جديراً بالبناء عليه، يقول الباحث المصري في الفكر المعاصر الدكتور سامح إسماعيل “حاول شحرور التأكيد على أهمية العقل النقدي، وقدرته على بناء عوالم مذهبية جديدة، يمكن من خلالها تكريس نزعة إنسانية في فهم النص الديني، ونزع فتيل الإقصاء والتهميش للآخر، إنّ البنية الذهنية التي حاول شحرور ترتيب معطياتها، تهدف في الأساس إلى تفكيك المؤسسة الفقهية الماضوية، وعزلها عن الواقع، عبر تذويب كافة الطروحات الأيديولوجية، وهدم أسيجتها المنيعة، التي شكلت إطاراً ثقيلاً من الجهل ومارست نوعاً من التغييب”.

ويضيف إسماعيل في تصريحه لـ”حفريات”: “تكمن أهمية مشروع شحرور في أنّه كرّسه لنقل المسلمين إلى مرحلة الحداثة، والإفادة من التراكم العلمي والمنهجي القائمين، لاستيعاب النص وإدراك حركته في التاريخ”.

متقد بالعقل وفيّ لقيمة التسامح

وما أن أذيع نبأ وفاة محمد شحرور حتى بدأ رواد مواقع التواصل الاجتماعي يرثون المفكر الإسلامي، الذي شكّل، وفق كثيرين منهم، علامة فكرية فارقة اليوم، ورغم تحفظات البعض على إحالاته إلى النص المؤسس، إلا أنّه قدم تجربة إنسانية وفكرية ونقدية، ربما تستحق الاهتمام والبناء عليها.

رغم اختلاف بعضهم معه يظل مفكراً لم تقد طروحاته إلى أي نوع من العنف أو الكراهية

وفي هذا السياق، كتب الأكاديمي والإعلامي الإماراتي علي بن تميم على صفحته على فيسبوك: “رحل عنّا أحد كبار المفكرين محمد شحرور، رحمه الله، كان متقداً بالعقل وفيّاً لقيمة التسامح، وسخّر نفسه بمعرفة واسعة للكتاب، مخلصاً إلى المنهج العلمي في تفسير محكم التنزيل ابتغاء لمرضاة الله..”.

وأوضح بن تميم أنّ الراحل يمثل “أحد أهم سدنة الكتاب، وهو من القامات الرفيعة التي زهت بها اللغة العربية، وبرحيله فقدت الثقافة العربية إشعاعها المستنير وتجلياتها المفعمة بالعلم والمعرفة، كان القرآن ملء قلبه وعقله، وهو الكتاب الأجلّ والأوحد الذي يعود إليه في المدلهمات ليستدل من خلاله على المستقل”.

وتابع: ظل شحرور، رحمه الله، متمسكاً بالأمل، وأدوات العقل ومحبة الرسالة المحمدية، ومنها استقى منهجه خدمة للقرآن الكريم، فجدد الدرس اللغوي في مقاربته لآيات الذكر الحكيم، فبينما كان بعضهم في غفلة وتغافل، تمتع المغفور له بالشجاعة والحكمة في النظر إلى أحوال الأمة، فأخلص لمشروعه الفكري الخالد”.

وأنهى بن تميم بقوله: “إلى جنة الخلد وحسبك بما أنجزت وقدمت في دنياك لآخرتك ما عجزت عن تقديمه عقائر صاخبة بشعاراتها التي لا تسمن الفكر ولا تفيد الأمة‏”.

أدخل كثيرين جنة التفكير

من جهته، قال الكاتب السوري حسام  الدين درويش: لا يحتاج المرء إلى الاتفاق مع رؤى محمد شحرور ومنهجه ومشروعه وتأويلاته الإشكالية المهمة لإدراك مدى أهمية وجوده ووجود أمثاله، ومدى خسارتنا بغيابهم ورحيلهم. ما يحتاجه الإنسان، لهذا الغرض، هو حدٌّ أدنى من الإنصاف، وإدراك أو إقرار حق الإنسان في الاختلاف، عموماً، وحقه في الاختلاف في المسائل والسياقات الدينية خصوصاً.

ويتابع درويش في منشور له عبر فيسبوك: منهج شحرور اللغوي كان إشكاليّاً، في أسسه ومضامينه ونتائجه، إلى أبعد حد، لكنه فتح العيون على رؤى وتأويلات وممكنات في النص الديني لم تكن موجودة بهذه الصيغة و/ أو لم تكن موجودة بهذا الانتشار والتأثير.

صابر: ركّز بحثه على منهجية التعامل مع القرآن الكريم وهو سؤال له أهمية في الزمن الحاضر أكثر من أي وقت مضى

ونوّه إلى أنّ: ما يأخذه معظم المحافظين والمتزمتين عليه هو ذاته ما يراه كثيرون سبباً للإشادة به، وأقصد أنّه جاء بأفكار جديدة لم يسمعوا بها من قبل وتخالف الإجماع المزعوم وجوده لدى “علماء الأمة”.

كثيرون، وفق درويش، لا يرون في الإبداع إلا كونه بدعة، ولا يرون في الاختلاف  إلا كونه أساساً لخلاف وازدراء، ولا في التغير إلا كونه ابتعاداً عن الأصل الواجب التمسك به والجمود عنده.

ويقول درويش: بالإضافة إلى منهجه اللغوي المدهش الذي أثار، في أحيان كثيرة، دهشتي وإعجابي وتفكيري أكثر مما أفضى إلى إقناعي، فإنّ القيم الأخلاقية الإيجابية التي تتضمنها الكثير من أفكاره وتأويلاته، هي أكثر ما أعجبني في فكره ودفعني إلى تقييمه تقييماً عالياً عموماً.

ويشير الكاتب إلى أنّ أهمية مضامين فكر شحرور تزداد، معرفيّاً وقيميّاً، عندما نطَّلع على مضامين فكر “الشيوخ” و”علماء الدين” المنتقدين له و/ أو المتهجمين عليه. فغالباً ما كان ذلك الانتقاد ضحلاً، وذلك التهجم وقحاً ومفتقراً لأي مسوِّغ معرفيّ أو أخلاقيّ أو حتى دينيّ.
وختم درويش حديثه بقوله: شحرور أدخل الكثيرين جنة التفكير، فحكم عليه كثيرون بجهنم التكفير.

المصدر: حفريات

 

Leave A Reply