تفنوت:اليسار و اغتيال التنوع والاختلاف بيد الأبوية والتوجس التاريخيين (الحلقة 3)

0

وأناأعد نفسي لاستئناف الكتابة عن ” فصل المقال فيما يحدث عند أهل، رجعت، بهاجس التقاط خيط الحكاية، إلى آخر الكلام عن ذلك الإلتباس العجيب عند الرفاق والذي أسميته ب” ممارسة السياسة التباسا بالتاريخ..” لا التاريخ بالمعني الواقعي وكما حدث، بل التاريخ كمرويات إيديولوجية تعبوية تصطفي النفس والذات وتتعالى بها عن الزمن، ولا تلزمها ولا تحاسبها عن أخطاء إن حدثت في حقل السياسة المتحركة الجارية منها والقادمة…

وقبل أن أحمل مداد الكلام، شد انتباهي خبر كانت القناة الفرنسية فرانس 24 الناطقة بالفرنسية تذيعه وبالصور التفصيلية، الخبر هذا عن جمهورية، التي نظمت حكومتها استعراضا ثقافيا شبه عسكري ، حملت فيه سيارات تابعة للجيش فخمة وكبيرة ” رصيدا هائلا من المومياءات” ومن التحافيات تعود إلى الزمن الفرعوني القديم،

وقد أفاد مراسلو القناة، استنادا إلى مصادر رسمية ، أن القيادة المصرية الحاكمة تحت رئاسة عبدالفتاح السيسي قد هذفت من وراء هذه التظاهرة الضخمة الإعلان للعالم أن مصر ليست دولة حديثة النشوء بل هي مصدر لأهم الحضارات التي شهدها تاريخ البشرية!!!

والحال أنه لاأحد من سكان كوكب الأرض قد أنكر عن مصر عمقها التاريخي وقيمة مساهمتها المعرفية والتقنية في عصور بعيدة…!!! فهل وقع شئ ما يبرر هذه الفعلة السياسية؟؟ أم ، هل هو إحساس دفين تشكل لدى قادة المؤسسة العسكرية بأن الوحدة الوطنية المصرية قد دخلت لحظة صعبة تنذر بالتفكك!!!
وحين وسعت دائرة الحصول على معلومات ومعطيات إضافية لفهم الحدث، استخلصت أن القضية المركزية في هذه التظاهرة ومقصدها الرئيسي ليس هما تاريخيا يقوم على التفكير في الإعتناء بالثروة التاريخية و بمكونات الهوية الوطنية…بل هو توظيف الماضي في الحاضر وتبرير مايقع فيه… هكذا هو شأن السياسات والسلط والتنظيمات التي تجد نفسها في مواجهة انكسار أو فقدان للشرعية في حاضرها، فتستدعي التاريخ البعيد( كمايقول أصحاب مدرسة الحوليات ) ليسد الثقوب ويغطي على الفجوات…
لقدكانت عجيبة هذه الصدفة الإعلامية… تقارب الموضوع في جغرافيتين متباعدتين، وعن قوتين مختلفتا الحجم والطبيعة، واحدة في السلطة بزي عسكري والأخرى في المعارضة يسارية النزوعات تريد بناء دولة ديمقراطية بدون جزمة ولابندقية… غير أن التجربة التاريخية السياسة تؤكد تلك الحقيقة التي تقول إنك لن تكون في كرسي السلطة والسياسة، إلا بالشكل الذي كنت عليه وأنت ” تناضل ” من أجل الوصول إليها… وكما يقول المغاربة بتأسي ياما عشنا وشفنا!!! الضحية يتحول إلى ضده، والضعيف الفقير يأكل مال غيره، ،،،

وإضافة إلى ماسجلناه في باب ممارسة السياسة بالتباس مع شرعية التاريخ، وتحول هذا الأمر إلى عائق أمام صلاح الممارسة السياسية، يمكن الذكر أيضا أن تشبت مناضلي وأطر قوى اليسار بهكذا مقاربة يجعلهم باستمرار في وضع حرج وهم يدعون النخب إلى تجديد العقل السياسي ،في نفس الوقت الذي يمارسون فيه حياتهم الداخلية والخارجية على هذا الأساس الإطلاقي الذي يتمثلون فيه ذواتهم حملة الإستثناء التاريخي والحقيقة الثورية….

عن الوثيقة الوحيدة…والديمقراطية المسطرية:

لقد أشرت في الحلقة الثانية أن اللجنة التحضيرية بعد إحساسها، بالواضح من المعطيات، أنه لاسبيل للعودة إلى الوراء بتبني فكرة إعداد الوثيقة الوحيدة، فالخلافات في التصورات وخطط العمل سار جميع المناضلين يقرون بها ولاجدوى من إخفائها…وحتى الحزب كبنية ” ديمغرافية ” لحقته العديد من التغيرات، فالتحاق تيارات سياسية بتجاربها وخصوصية شخصيتها الأدبية والتنظيمية كان من الطبيعي أن يجلب معه عناصر اختلافات جديدة متساوقة مع خطوط الإتفاق….هذا إضافة إلى أن التجربة السابقة عن المؤتمر الثالث قد أطلقت سيرورة الإتفاق الرسمي للعمل بمقترح التيارات، بل ووضع لذلك ضوابط ومساطير يبدو من خلال التقييم الأول لها آنذاك أنها كانت مجدية وجعلت ” الحياة الداخلية ” لاتشكو، على الأقل، من روتين الرأي الواحد وألأغلبية الواحدة…

لكن السؤال الجدي الذي يجب طرحه اليوم وبكامل التسامح الرفاقي هو السؤال التالي ذو الطبيعة المزدوجة 

– هل فعلا( نظرا وممارسة ) كان رفاق القيادات المتوالية مقتنعة بالعمل بآلية التيارات ( لا كموديل للتسويق الخارجي، وفي تفاعل مع محيط حزبي وطني جله يعيش التصدعات والاصطدامات المفتعلة منها وهي كثيرة والحقيقيةوهي نوعية ومحسوبة) بل كقناعة ديمقراطية غاية في التحرر من التقاليد ألأبوية الإطلاقية التي سادت لأكثر من مائة سنة جل الحركات الكلاسيكية الإشتراكية والشيوعية المطبقة؟؟

– هل تأسست القناعات الجماعية المختلفة والمتفقة للتيارات والمجموعات على تمثلات ديمقراطية للسياسة وللإنتماء الحزبي الراهن آنذاك، أم أنها في الواقع الفعلي كانت تتاسس على شبكات علأئقية ماقبل- حزبية، قد تكون ارتباطات ولدت في تجارب حزبية ماضية، أو تشكلت بسبب اصطفاف تغلب فيه الإيديولوجيا وتمجيد لرؤى سابقة…؟؟

لقد كنت أقول للكثير من الرفاق إن هذا المؤتمر عليه أن يستثمر في تنوعه أكثر مما قد يفعله حزب يساري آخر لارائحة للتعدد وللتناقض فيه…بل وكنت أميل أكثر إلى تسميته ب ” التجمع ” عوض الحزب التي هي أصلا كلمة حمالة لمعاني قبلية وميتافزيقية…لكن الوقائع كانت تسير في أتجاه غير هذا…وعوض أن يكون الخلاف السياسي هو أساس التمايز والتعايش، كان التماثل وتطبيقاته هي مايحدد القرارات والتقاربات والتحالفات بل والقضايا البرنامجية….
وحتى حين وضعت الوثائق والأرضيات، وانطلق ماراطون الحوار والجدل، كان مسعى آخر يتحرك في كواليس الإعداد يحاول أن يشكل رأيا ضاغطا يمضي في أتجاه الوثيقة الوحيدة…بدعوى أن الوضع العام مختل وليس في صالح قوى اليسار…والتوحيد الإرادي هو الجواب والرسالة إلى من يهمه الأمر بأن الإشتراكي الموحد لاسبيل إلى التسلل لإضعافه من الداخل….

لكن هل كان هناك فعلا مدعاة إلى هذه التخوفات، وهل لها طبيعة سياسية أم هي فقط استنتاجات لنظرة يقع مضمون احترازها في تلك العلاقة التي وضعنا لها عنوان التباس السياسة بالتاريخ….

Leave A Reply