الرئسيةرأي/ كرونيك

عمر بنجلون… 50 سنة على اغتيال الوضوح

خمسون سنة تمر على الاغتيال الجبان للقائد الاتحادي عمر بنجلون، ولا يزال السؤال المؤلم معلقا: من قتل الوضوح في السياسة المغربية؟

لا تحضر الجريمة كحدث تاريخي فقط بل كجرح مفتوح في جسد الحركة الوطنية التقدمية


في الذكرى الخمسينية لاغتياله، لا تحضر الجريمة كحدث تاريخي فقط، بل كجرح مفتوح في جسد الحركة الوطنية التقدمية، وكفقدان مبكر لعقل سياسي استثنائي جمع بين الفكر والممارسة، وبين الوطني والقومي، وبين الجرأة الأخلاقية والوضوح الإيديولوجي.

في تدوينة عميقة على صفحته بموقع فيسبوك، يعيد الباحث جليل طليمات استحضار عمر بنجلون لا بوصفه “شهيدا” فقط، بل باعتباره مشروعا فكريا ونضاليا غير مكتمل، اغتيل لأنه اختار أن يجعل من إزالة الالتباس ومحاربة التزييف مهمة مركزية في العمل السياسي، في زمن كانت فيه الضبابية والانتهازية والظلامية أدوات اشتغال يومية.

كان عمر بنجلون مناضلًا ضد الغموض، وضد “الزيف الإيديولوجي”، وضد تحويل الثقافة إلى أداة تبرير للاستغلال الطبقي. لم يكن يؤمن بثقافة محايدة، بل بثقافة منحازة للوعي والعقل والتحرر.

والاشتراكية عنده لم تكن عقيدة جامدة، بل أفقًا جدليا مفتوحا، سلاحا فكريا في مواجهة الرجعية و”إيديولوجيا الأصالة” التي رآها خداعا منظما للجماهير.

كأن اغتيال عمر لم يكن جسديا فقط، بل كان اغتيالا لمنهج في التفكير والممارسة

ما يلفت في استعادة جليل طليمات لسيرة عمر بنجلون، هو هذا الإلحاح على راهنيتها. فنحن اليوم، كما بالأمس، نعيش زمن الالتباس الكبير: ليبرالية متوحشة، أحزاب بلا بوصلة، نقابات مثقلة بالبيروقراطية، ونخب تخلت عن أسئلتها الكبرى. وكأن اغتيال عمر لم يكن جسديًا فقط، بل كان اغتيالًا لمنهج في التفكير والممارسة.

ارتبط عمر بنجلون عضويًا بالطبقة العاملة، وناضل ضد اختزال النضال النقابي في “المطلب الخبزي” المعزول عن أفق التغيير الديمقراطي. وكان إصلاح الحقل النقابي، وربط النضال الاجتماعي بالمشروع التقدمي، أحد أعمدة مشروعه. درس لا يزال معلقًا في زمن تراجع فيه الدور الطليعي للعمل النقابي.

وعلى المستوى الحزبي، شكلت “المذكرة التنظيمية” التي صاغها عمر محاولة مبكرة لعقلنة العمل الحزبي، وجعل التنظيم أداة وصل بين النظرية والممارسة، بين الحزب والمجتمع، بين السياسة والشباب. وهي وثيقة، كما يشير طليمات، لا تزال صالحة للاستلهام في زمن تعاني فيه أحزاب اليسار من الانفصال عن المجتمع والتآكل الداخلي.

اعتبر بن جلون  فلسطين قضية تحرر مرتبطة عضويا بكسر التبعية في كل الوطن العربي

أما في القضية الفلسطينية، فقد كان عمر بنجلون واضحا بلا مواربة. لم يفصل بين النضال الوطني والنضال القومي، واعتبر فلسطين قضية تحرر مرتبطة عضويا بكسر التبعية في كل الوطن العربي. موقفه هذا، كما تبرزه كتاباته ومحاضراته، يبدو اليوم أكثر إزعاجًا في زمن التطبيع، حيث تُختزل فلسطين في “قضية إنسانية” بلا هوية ولا سياق تحرري.

في لحظة عربية تهرول فيها أنظمة نحو التطبيع، وتُسخَّر فيها أقلام لتبريره، تبدو استعادة موقف عمر بنجلون، كما دعا إليها جليل طليمات، فعل مقاومة فكرية وأخلاقية. فقد كان واضحًا: التأثير على الأنظمة مهمة الشعوب ومثقفيها، ومحاربة التضليل واجب لا يسقط بالتقادم.

خمسون سنة بعد اغتياله، لا نحيي ذكرى عمر بنجلون بالبكاء على الماضي، بل بطرح السؤال الجوهري الذي يزعج الحاضر:
من يملك اليوم شجاعة الوضوح؟
ومن يجرؤ على دفع ثمنه؟

لقد اغتيل عمر بنجلون لأنه كان واضحا أكثر مما ينبغي… وما زال هذا الوضوح، إلى اليوم، عملة نادرة في مشهد سياسي بلا روح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى