
تواصل مدينة أكادير إعادة تشكيل خريطتها الحضرية من خلال مشروع طرقي جديد يتمثل في إنجاز نفق رابع يرتقب دخوله الخدمة بحلول ماي 2027، ضمن برنامج التنمية الحضرية الذي تراهن عليه المدينة لتدارك ضغط التوسع العمراني وارتفاع حركة النقل.. لا يُقرأ المشروع، الذي رُصد له غلاف مالي يناهز 88,84 مليون درهم، كمنشأة هندسية إضافية فقط، بل هو يشكِل حلقة ضمن مسار أوسع يروم تحويل أكادير إلى قطب لوجستيكي وسياحي أكثر قدرة على الاستيعاب.
حين تصبح الطرق مرآة للنمو السريع
شهدت أكادير توسعاً عمرانياً متسارعاً وارتفاعاً ملحوظاً في حركة التنقل خلال السنوات الأخيرة، سواء المرتبطة بالسكان أو بالنشاط التجاري والسياحي.. وضع هذا النمو الشبكة الطرقية أمام اختبارات يومية، خاصة على مستوى الطريق الالتفافي الشمالي الشرقي الذي أصبح يتحمل ضغطاً متزايداً، خصوصاً من طرف الشاحنات الثقيلة القادمة من وإلى الميناء.
و يأتي النفق الجديد لتخفيف هذا العبء، عبر توفير مسار إضافي أكثر انسيابية يربط بين ميناء أكادير ومطار المسيرة، وهما نقطتان استراتيجيتان في الدورة الاقتصادية للجهة،حيث يُعد فالميناء من أبرز الموانئ الوطنية في نشاط الصيد البحري والتصدير، بينما يشكل المطار بوابة جوية أساسية للسياحة والاستثمار.
تفاصيل هندسية بأهداف اقتصادية
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن النفق سيمتد على طول 91 متراً، بعرض يبلغ 19 متراً، مع مسلكين للمرور وممرات جانبية وتجهيزات تقنية لضمان السلامة ومرور مختلف أنواع المركبات، ورغم أن الأرقام تبدو تقنية، فإن مدلولها الاقتصادي واضح: تقليص زمن التنقل، تخفيض كلفة النقل، وتسهيل انسياب البضائع والمسافرين.
ولا يتوقف المشروع عند حدود النفق، بل يشمل تهيئة البنيات المرتبطة بالطريق الالتفافي، إضافة إلى منشآت مرافقة بالممر العلوي على الطريق الوطنية رقم 10 الرابطة بين أكادير وتارودانت، ما يعكس توجهاً نحو معالجة شاملة بدل حلول موضعية مؤقتة.
استثمارات ضخمة ورهان على الجاذبية
يتزامن هذا الورش مع استمرار إنجاز الشطر الثالث من المحور الطرقي الرابط بين الميناء والمطار على طول خمسة كيلومترات، باستثمار يصل إلى 171,7 مليون درهم، انطلاقاً من مدار أبراز بالحي المحمدي نحو الميناء، كما تتقدم الدراسات الخاصة بتمديد هذا المحور شمالاً نحو تغازوت، المنطقة السياحية التي تعرف نمواً متزايداً واستقطاباً لافتاً للمستثمرين والزوار.
وقد رُفع الغلاف المالي المخصص للدراسات إلى 9,04 مليون درهم، تشمل التصاميم الهندسية، ودراسات حركة السير، وتقييم الأثر البيئي، وهي مؤشرات على أن التخطيط لم يعد يقتصر على الإسفلت والإسمنت، بل يشمل حسابات التنمية المستدامة والضغط البيئي.
ما وراء الإسمنت والأنفاق
في مدن كثيرة، تصبح الطرق مجرد ممرات للسيارات، لكن في حالة أكادير تبدو هذه المشاريع رهانات على موقع المدينة داخل الاقتصاد الوطني، فتحسين الربط بين الميناء والمطار والمناطق الساحلية قد يرفع من تنافسية الجهة، ويزيد من جاذبيتها السياحية، ويمنح المستثمرين صورة أكثر ثقة عن مدينة تبحث عن المستقبل عبر البنية التحتية، وبين زحمة الحاضر وانتظارات الغد، يبدو أن أكادير اختارت أن تحفر طريقها حرفياً نحو مرحلة جديدة.




