
لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات بالمغرب مجرد رقم يتغير في لوحات محطات الوقود، بل أصبح مؤشرا فاضحا على اختلالات أعمق تمس بنية الاقتصاد وآليات الحكامة..
كما ورد في البيان الصادر عن تنسيقية النقابات الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع في بيانها الأخير، حيث لم تكن تدافع فقط عن مهنيي الشاحنات، بل كانت تضع يدها على جرح اجتماعي واقتصادي يتسع بصمت.
وقود مرتفع… وأسعار تشتعل
حسب معطيات رسمية، يشكل الكازوال أكثر من 60 في المائة من كلفة تشغيل مقاولات النقل الطرقي، ما يعني أن أي زيادة في سعره تنعكس بشكل آلي على أسعار السلع الأساسية، و مع تسجيل أسعار النفط عالميا مستويات تقل أحيانا عن 60 دولارا للبرميل، ظل السعر المحلي شبه ثابت، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق السوق “الحر” حين يكون اتجاهه واحدا فقط: نحو الأعلى.
لوبيات الوساطة… اقتصاد الظل في وضح النهار
تحدث البيان النقابي بوضوح عن استحواذ لوبيات الوساطة غير القانونية على قطاع النقل، وهي وساطة لا تضيف قيمة ولا تحمي تنافسية، بل تكرس “تكسير الأثمان” وتدفع المهنيين إلى تحميل الشاحنات فوق طاقتها.. تتجاوز النتيجة إفلاس مقاولات صغيرة ومتوسطة، وتصل لاستنزاف البنيات التحتية، حيث تشير تقارير رسمية إلى أن النقل الطرقي مسؤول عن جزء كبير من تدهور الطرق الوطنية، بما يكلف ميزانية الدولة مليارات الدراهم سنويا.
أرباح بلا انعكاس اجتماعي
في هذا السياق لم يتردد مصطفى القرقوبي، الكاتب العام للنقابة، في وصف الأرباح التي راكمتها شركات المحروقات منذ تحرير القطاع بأنها “غير مشروعة أخلاقيا”، فبينما ارتفعت هوامش الربح حسب تقارير برلمانية سابقة بأكثر من 30 في المائة لدى بعض الفاعلين، ظل المواطن والمهني الحلقة الأضعف، دون أي آلية لحمايته من تقلبات السوق.
الكازوال المهني… حل مؤجل أم إرادة غائبة؟
كما أشارت التنسيقية في بيانها ان الدعوة إلى إقرار “الكازوال المهني” ليست ترفا نقابيا، بل مطلبا اقتصاديا معمول به في دول عديدة لحماية سلاسل التوريد، غير أن تجميد الحوار وتوقف اللجان التقنية، مقابل الاكتفاء بدعم مباشر متعثر عبر بوابة “مواكبة”، يكشف أن الأزمة أعمق من ظرفية، وأن كلفة الصمت الرسمي تؤدى في النهاية من جيب المواطن، على شكل غلاء يلتهم القدرة الشرائية ويعمق الشعور بانفصال السياسات العمومية عن الواقع.
تحرير سوق المحروقات دون استكمال شروط المنافسة والضبط
أفضى تحرير سوق المحروقات بالمغرب، منذ سنة 2015، إلى رفع يد الدولة عن آلية استراتيجية دون استكمال شروط المنافسة والضبط، فتم الانتقال من تسقيف الأسعار إلى “تحرير” شكلي لم تصاحبه هيئة تنظيمية مستقلة ولا أدوات زجر فعالة.
في هذا الفراغ الرقابي، تحولت السوق إلى مجال شبه مغلق تتحكم فيه قلة من الفاعلين الكبار، يحددون الأسعار وفق منطق موازٍ لتقلبات السوق الدولية، حيث تُترجم الزيادات بسرعة قياسية، بينما تُؤجل الانخفاضات أو تُفرغ من مضمونها.
هذا السلوك، الذي وثقته تقارير برلمانية و بعض ملاحظات مجلس المنافسة على قلتها، يعكس وجود تنسيق غير معلن في التسعير، ما أفقد منطق “الحرية” مضمونه، وحول التحرير إلى أداة لإعادة توزيع الثروة من جيوب المستهلكين نحو خزائن الشركات.
راكمت شركات المحروقات أرباحا وُصفت بالفاحشة
في المقابل، راكمت شركات المحروقات أرباحا وُصفت بالفاحشة ليس بفعل الاستثمار أو الابتكار، بل نتيجة اتساع هوامش الربح واستقرارها عند مستويات مرتفعة حتى في فترات انهيار الأسعار العالمية. فقد أظهرت تقارير رسمية أن بعض الفاعلين رفعوا هوامشهم بأكثر من 30 في المائة مقارنة بفترة ما قبل التحرير، دون أي انعكاس إيجابي على الأسعار أو جودة الخدمات.
وبدل أن يشكل التحرير رافعة لتنافسية السوق، تحول إلى ريع منظم في غياب الشفافية، حيث جرى تحميل كلفة التقلبات بالكامل للمواطن والمهني، بينما تمت حماية الأرباح من أي مخاطرة حقيقية.
هكذا، لم يعد تحرير المحروقات خيارا اقتصاديا بقدر ما أصبح اختلالا بنيويا في الحكامة، كرس منطق الربح بلا مقابل اجتماعي، وعمق فجوة الثقة بين السياسات العمومية وواقع العيش اليومي.




