اقتصادالرئسية

مكناس: تربية الماشية على حافة الانهيار

يشهد قطاع تربية الماشية في المغرب وضعا معقدا يجمع بين نمو ملحوظ وهشاشة متزايدة، في ظل تحولات مناخية وضغوط هيكلية باتت تفرض واقعا جديدا. فالجفاف لم يعد ظرفا عابرا، بل تحول إلى عامل دائم يعيد تشكيل ملامح النشاط الفلاحي، ويضع النموذج الحالي أمام اختبار حقيقي.

“برنامج تقليص آثار العجز المطري” بكلفة 8 مليارات درهم

في هذا السياق، أطلقت الدولة برامج كبرى، من بينها “برنامج تقليص آثار العجز المطري” بكلفة 8 مليارات درهم، و“برنامج إعادة تكوين القطيع الوطني” بـ12.8 مليار درهم، غير أن التحدي الأعمق لا يكمن فقط في مواجهة الأزمات الظرفية، بل في إرساء تحول جذري يقوم على الابتكار وتعزيز صمود المربين وتثمين الموارد المحلية.

وخلال ندوة “التفكير اليوم في تربية الماشية غدًا”، التي نُظمت ضمن فعاليات الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب بمكناس، أكد رضوان عرّاش، الكاتب العام بوزارة الفلاحة، أن الأزمة الحالية تتجاوز تأثير الجفاف، لتعكس تحولات بنيوية عميقة تزيد من هشاشة العالم القروي. وأبرز أن القطاع، رغم مساهمته بنحو 35% من الناتج الداخلي الفلاحي، يقوم على توازن دقيق ومهدد.

يواجه المغرب تحديًا كبيرًا في تأمين الأعلاف لنحو 32.8 مليون رأس

المعضلة الأساسية تتمثل في تغذية القطيع، إذ يواجه المغرب تحديًا كبيرًا في تأمين الأعلاف لنحو 32.8 مليون رأس، في ظل تراجع الموارد المائية وارتفاع التكاليف. وقد أدى الاعتماد المتزايد على الاستيراد إلى تعميق التبعية للأسواق الخارجية، ما يطرح إشكال السيادة الغذائية.

ورغم هذه الصعوبات، ساهم ارتفاع أسعار المنتجات الحيوانية في الحد من انهيار القطاع، بخلاف ما حدث خلال جفاف ثمانينيات القرن الماضي، حين أدى ارتفاع الأعلاف وضعف الأسعار إلى تقليص حاد في أعداد القطيع. اليوم، ورغم استياء المستهلكين من الغلاء، شكلت هذه الأسعار عامل توازن نسبي حافظ على استمرارية النشاط، خاصة في قطاع الحليب.

تحققت الإنتاجية بفضل الاعتماد على مدخلات خارجية

من جهته، أشار محمد بلافريج إلى ما سماه “مفارقة الأداء”، حيث تحققت الإنتاجية بفضل الاعتماد على مدخلات خارجية، وهو نموذج لم يعد قابلًا للاستدامة في ظل التقلبات المناخية. ودعا إلى إصلاحات هيكلية تشمل تحسين الحكامة وتبني حلول تقنية وجينية ملائمة.

ورغم أهمية القطاع، الذي يدر نحو 35 مليار درهم ويوفر أكثر من 1.2 مليون فرصة عمل، فإن بنيته تظل هشة، ما يستدعي تدخلًا مستمرًا للدولة. كما تكشف معطيات القطيع عن تفاوت واضح، حيث سجلت الأغنام والماعز نموًا ملحوظًا، مقابل تراجع الأبقار والإبل، وهو ما يطرح تحديات إضافية للحفاظ على التوازن الحيواني.

وتراهن استراتيجية “الجيل الأخضر 2030” على تعزيز الإنتاج، خاصة في الحليب واللحوم الحمراء، وتحسين جودة القطيع، غير أن نجاحها يبقى رهينًا بقدرة المغرب على الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء نموذج فلاحي أكثر استدامة ومرونة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى