
غارديان: دافوس 2026..لحظة الحقيقة للنظام الدولي
ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دورته الـ56 بدافوس السويسرية (20–23 يناير 2026) في لحظة مفصلية توصف، وفق صحيفة الغارديان، بأنها من أخطر المراحل التي يمر بها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالمؤتمر، المنعقد تحت شعار «روح الحوار»، يأتي في سياق عالمي يتسم بتصاعد غير مسبوق للتوترات الجيوسياسية، وتآكل متسارع لما تبقى من «النظام الدولي القائم على القواعد».
دافوس كفرصة أخيرة
ترى الغارديان أن دافوس قد يشكل الفرصة الأخيرة أمام النخب السياسية والاقتصادية العالمية لمحاولة إنقاذ أو إعادة ترميم النظام الدولي القديم عبر الحوار والتنسيق متعدد الأطراف.
غير أن الصحيفة تحذر من أن هذا الرهان يصطدم بواقع دولي يتراجع فيه الحوار لصالح منطق القوة والاصطفاف والصدام.
تبرز المفارقة الأساسية، بحسب التقرير، في مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أمضى العام الماضي في تقويض ركائز النظام الدولي ذاته الذي يسعى المنتدى إلى إنقاذه.
فسياسات واشنطن التصعيدية في مجالات التجارة، والتحالفات، والعقوبات، أضعفت الثقة في المؤسسات الدولية، وعمقت الانقسامات داخل المعسكر الغربي.
ويعكس حضور ترامب إلى دافوس على رأس أكبر وفد أميركي في تاريخ المنتدى—يضم وزراء الخارجية والخزانة والتجارة، إضافة إلى المبعوث الخاص للشرق الأوسط—رغبة واضحة في فرض الأجندة الأميركية داخل فضاء يفترض أنه مخصص للتوافق العالمي.
نظام دولي متآكل
تشير الغارديان إلى أن النظام الدولي كان قد تلقى ضربات قاسية بفعل الحرب الروسية على أوكرانيا، وصعود النفوذ الصيني، والعدوان الاسرائيلي على غزة، غير أن السلوك الأميركي، خصوصا في عهد ترامب، سرع وتيرة التفكك.
وتلفت الصحيفة إلى أن التهديد بفرض رسوم جمركية حتى على حلفاء تقليديين، مثل بريطانيا، وربط الدعم الأميركي بخطط مثيرة للجدل كضم غرينلاند، شكل صدمة للقادة الأوروبيين قبيل انطلاق المنتدى.
ترامب ومنطق «الصفقات»
في خطاب وجهه إلى دافوس بعد أيام من تنصيبه لولاية ثانية، رسم ترامب ملامح عام يتسم بالفوضى وعدم اليقين، عبر التهديد برسوم جمركية شاملة، والضغط على حلف الناتو لرفع الإنفاق العسكري، والتدخل العلني في سياسات مجلس الاحتياطي الفدرالي.
ورغم ذلك، نقلت الغارديان عن رئيس المنتدى بورغه برينده قوله إن إدارة ترامب تميل إلى «إبرام الصفقات»، معتبرا،بتفاؤل حذر أن الصفقات لا يمكن أن تتم من دون حدّ أدنى من الحوار.
في المقابل، يقدم التقرير قراءة أكثر تشاؤما عبر تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن تجاهل القانون الدولي يجري «في العلن»، ويهدد بتقويض الشرعية التي قام عليها النظام العالمي بعد 1945، محملا قادة القوى الكبرى مسؤولية هذا التآكل.
دافوس بين الهدف والتناقض
تنقل الغارديان عن ويني بيانيما، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز، أن سياسات ترامب تتناقض جوهريا مع الهدف المعلن للمنتدى، المتمثل في بناء عالم تحكمه القواعد ويتعاون فيه قطاع الأعمال مع الحكومات. ومع ذلك، تقر بأن المنتدى ينعقد وسط «أعقد لحظة سياسية منذ تأسيسه».
يعزز هذا التوصيف استطلاع أجراه المنتدى شمل أكثر من 1300 من القادة السياسيين والاقتصاديين والأكاديميين، خلص إلى أن المواجهة بين القوى الكبرى تمثل الخطر الأكبر خلال العامين المقبلين، تليها احتمالات اندلاع حروب مباشرة بين الدول.
في مواجهة هذا المسار، تشير الغارديان إلى أن قادة أوروبيين بارزين، من بينهم مارك روته، إيمانويل ماكرون، وأورسولا فون دير لاين، يعتزمون استخدام منصة دافوس للدفاع عن التجارة الحرة، ودعم أوكرانيا، والحفاظ على التعاون عبر الأطلسي، في محاولة لاحتواء تداعيات السياسات الأميركية.
خلاصة على سبيل الختم
يخلص التقرير التحليلي لصحيفة الغارديان إلى أن دافوس 2026 لا يبدو مجرد منتدى اقتصادي، بل ساحة مواجهة رمزية بين منطق القواعد ومنطق القوة، وبين ما تبقى من النظام الدولي الليبرالي ونزعات التفكيك التي تقودها القوى الكبرى نفسها.
وفي ظل هذا التناقض، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمتلك «الحوار» ما يكفي من القوة لإنقاذ نظام يتداعى من داخله؟




