
يثير موضوع العلاقة بين المثقف والسلطة، وحدود النقد والمدح، نقاشا عميقا في السياق السياسي والثقافي المغربي. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يشكل الفكر النقدي آلية لكشف الاختلالات وتنبيه الدولة إلى أعطابها البنيوية، يتحول هذا الفكر أحيانا إلى أداة تبرير وتلميع، تفقد معه النخبة دورها التاريخي. وفي هذا الإطار، يقدم الإعلامي والكاتب المغربي عبد الصمد بن شريف قراءة نقدية حادة لسلوك تمجيد الدولة وأسطرتها، خاصة حين يصدر عن أسماء محسوبة على اليسار أو قادمة من تقاليده الفكرية.
الإفراط في مدح الدولة وتمجيدها، بل ومنافستها في تمجيد ذاتها، يشكل سلوكا ضارا بالدولة
يرى عبد الصمد بن شريف أن الإفراط في مدح الدولة وتمجيدها، بل ومنافستها في تمجيد ذاتها، يشكل سلوكا ضارا بالدولة في المقام الأول، لأنه يتحول إلى ستار كثيف يحجب عنها كثيرا من الأعطاب والنقائص والاختلالات البنيوية.
ويؤكد بن شريف في تدوينة له على صفحته على الفايسبوك، أن هذا التمجيد المفرط، حين يصبح ممارسة ممنهجة قائمة على التزيين والبروباغندا، لا يعود سوى مرادف للنفاق والتملق والانبطاح.
ويضيف بن شريف أن ما يثير الاستغراب في هذا السياق هو انخراط عدد من الأشخاص الذين يضعون أنفسهم في خانة اليسار، أو كانوا محسوبين عليه يوما ما، في عملية مدح وتطبيل محمومة، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن التقرب من السلطة عبر رفعها إلى عنان السماء هو الدور “الطبيعي” والتاريخي المنوط بهم. وكأن كل سنوات النقد والمواجهة والتشكيك كانت خطأ ينبغي التبرؤ منه.
بعض هؤلاء، يقول بن شريف، تعامل مع الدولة بمنطق الوصاية الرمزية، وكأنهم يخاطبونها قائلين: أنت لا تعرفين كيف تُمدحين، تعالي نُعلمك فن التطبيل، فهم، في نظرهم ، أهل الاختصاص، يمتلكون قاموسا مزدوجا، نصفه معارضة ونصفه موالاة، ولغة هجينة تجمع بين نبرة ومخلفات زمن اليسار، وبين قدرة عالية على تحويل خصم الأمس إلى حليف، بل إلى ملاذ وحضن ومظلة.
الدولة بطبيعتها تميل إلى الإعجاب بالمديح
ولا ينفي بن شريف أن الدولة بطبيعتها تميل إلى الإعجاب بالمديح، وتعتبر من يثنون عليها في كل مناسبة وغير مناسبة جنودًا احتياطيين يصطفون إلى جانبها عند الحاجة، ويتم توظيفهم في مهام التبرير والشرعنة والترافع والتسويق.
غير أن الخطير، في نظره، هو أن هؤلاء المداحين الجدد كانوا بالأمس القريب يؤمنون بالحزب الثوري، وديكتاتورية البروليتاريا، ومركزية الطبقة العاملة، ويوتوبيا المجتمع الاشتراكي، والمثقف العضوي، والأدب الملتزم… إلخ.
فهؤلاء أخطر على الدولة من المداحين القادمين من مرجعيات محافظة أو يمينية أو ليبرالية، لأنهم ، من جهة، يعتمون على الدولة ويضللونها، ومن جهة أخرى تتعامل معهم هذه الأخيرة بكرم وسخاء، وكأنها لا تدرك ما يوجههم ويتحكم في نزوعاتهم ونزواتهم، أو كما يقال في الدارجة المغربية: “ماشي عايقة”.




