
رغم مرور عقود على اندلاع نزاع الصحراء، ورغم التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية، ما تزال القضية تراوح مكانها بين دعم دولي متنامٍ للمقترح المغربي، وجمود إقليمي تقوده الجزائر، يفرغ كل المبادرات من مضمونها.
وبين حسابات السيادة، وهواجس الهوية الوطنية، ومصالح الأنظمة، يتحول النزاع إلى ملف مُنهك للجميع، لكنه في الوقت ذاته قابل للاشتعال في أي لحظة.
في هذا السياق، ترسم مجلة “جون أفريك” الفرنسية، في تحليل مطول بقلم مدير تحريرها فرانسوا سودان، صورة دقيقة لتعقيدات المشهد، وتسائل آفاق سنة 2026 في ظل استمرار الانسداد السياسي وتعدد السيناريوهات الممكنة.
نزاع قديم… وسيادة ناقصة
تذكر المجلة بأن المغرب، منذ نيله الاستقلال سنة 1956، عاش تجربة فريدة في شمال إفريقيا، حيث استعاد حريته السياسية دون أن تكتمل سيادته الترابية. فقد احتاج سنوات طويلة لاسترجاع طرفاية وإفني، ثم الصحراء، بينما ما تزال سبتة ومليلية خارج السيطرة المغربية.
هذا المسار التاريخي، تضيف “جون أفريك”، شكل وعيا وطنيا مغربيا شديد الحساسية تجاه قضايا الوحدة الترابية، ورافضا لأي حل قد يُفهم على أنه تنازل جديد، خاصة في ظل شعور راسخ بأن المغرب قدم بالفعل تنازلات مؤلمة خلال ترسيم حدوده مع الجزائر.
2025… سنة التحول الصامت
بعد خمسين عاما على استرجاع الصحراء، مثل عام 2025 محطة مفصلية للمغرب.
فقد شهد تحولات نوعية في الموقف الدولي، تُوجت بقرار لمجلس الأمن وصف، لأول مرة، مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق من أجل تسوية النزاع.
كما أن بعثة “المينورسو”، ورغم تمديد ولايتها، لم تعد تُقدم كأداة لتنظيم استفتاء، بل كآلية لتفادي الاحتكاك العسكري، في اعتراف ضمني بتآكل هذا الخيار.
وترى المجلة أن هذا التطور يعكس دعما سياسيا واضحا من واشنطن وباريس، ويعبر عن إرهاق دولي متزايد من نزاع منخفض الحدة لكنه محفوف بالمخاطر.
واشنطن… وسيط بلا بوصلة
تطرح “جون أفريك” سؤالا مركزيا: ماذا ينتظر الملف في عام 2026؟ وترجح، بداية، سيناريو استمرار الوضع القائم، حيث تتغير التفاصيل دون أن يتغير جوهر الأزمة.
فرغم إعلان الولايات المتحدة نيتها لعب دور الوساطة، لا يبدو أن ملف الصحراء يحتل موقعا متقدما في أولوياتها، كما أن الغموض يلف الجهة المكلفة فعليا بتدبيره داخل الإدارة الأمريكية، بين ستيف ويتكوف ومسعد بولس.
أما الوعود المتفائلة باتفاق قريب، فقد تبخرت دون أثر ملموس.
اقر أيضا….
في المقابل، ينتظر الشركاء الدوليون توضيحات مغربية إضافية حول مضمون الحكم الذاتي ومستوى الصلاحيات والحوكمة المقترحة، ما يدفع الجميع إلى اعتماد سياسة الانتظار بدل الحسم.
توازن هش… وضبط للنار
على الأرض، ورغم انهيار وقف إطلاق النار وقطع العلاقات الدبلوماسية، يُظهر المغرب والجزائر قدرة ملحوظة على التحكم في منسوب التصعيد.
فالهجمات المحدودة لجبهة البوليساريو تقابل بردود مغربية دقيقة عبر الطائرات المسيرة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وتشير المجلة إلى أن الجزائر، من جهتها، تتجنب تزويد الجبهة بأسلحة نوعية قد تخل بهذا التوازن، إدراكا منها لخطورة الانفلات، غير أن الوضع الإنساني في مخيمات تندوف، حيث تعيش أجيال كاملة في أفق مسدود، يظل عاملا مقلقا وقابلا للتحول إلى عنصر عدم استقرار إقليمي.
سيناريوهات غير مضمونة
تستعرض “جون أفريك” سيناريوهين أقل ترجيحا: الأول يقوم على ضغط أمريكي مباشر على الجزائر لدفعها إلى القبول بالحكم الذاتي، وهو خيار محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى تصلب أكبر أو تصعيد غير محسوب.
أما السيناريو الثاني، فينبع من قناعة مغربية متزايدة بأن مسار التفاوض استنفد أغراضه، وقد يدفع ذلك الرباط إلى تحركات دبلوماسية هجومية، تشمل السعي إلى إخراج الصحراء من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ثم إعادة طرح ملف “الجمهورية الصحراوية” داخل الاتحاد الإفريقي، بل وحتى محاولة تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، وهو خيار تصفه المجلة بالخطير للغاية.
يد ممدودة… بلا مجيب
تختم “جون أفريك” بالإشارة إلى أن الملك محمد السادس جدد، في خطاب العرش لسنة 2025، دعوته إلى حل توافقي يحفظ كرامة جميع الأطراف، غير أن هذه المبادرة، التي تؤكد غياب أي نية لإذلال الجيران، لم تلق صدى في الجزائر.
وترجح المجلة أن يستمر هذا الجمود خلال 2026، معتبرة أن النظام الجزائري يتعامل مع ملف الصحراء كأداة صراع إقليمي ووسيلة لتدبير توازناته الداخلية، أكثر من كونه قضية مبدئية، وهو ما يجعل الانفراج مؤجلا، والتوتر قابلا للاستدامة.






