
لم تعد الحرب الأميركية-الإيرانية مجرد مواجهة جيوسياسية عابرة، بل تحوّلت إلى عامل اضطراب عميق في قلب النظام الطاقي العالمي، واضعة عشرات الدول أمام اختبار قاسٍ قد يعيد رسم ملامح اقتصاداتها لسنوات طويلة، فمع إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، دخلت الأسواق في حالة اختناق غير مسبوقة، انعكست سريعًا على الأسعار والإمدادات، وفتحت الباب أمام سيناريوهات قاتمة تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط.
أسعار مشتعلة واقتصادات تحت الضغط
تجلت الصدمة الأولى في القفزة الحادة لأسعار النفط، حيث تجاوز سعر خام برنت عتبة 116 دولارًا للبرميل، مسجلًا ارتفاعًا يقارب 20% منذ اندلاع الأزمة في أواخر فبراير، ما تحوّل إلى عبء ثقيل على الدول المستوردة للطاقة، والتي وجدت نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين تضخم متصاعد وركود يهدد النمو، ومع استمرار اضطراب الإمدادات، باتت حالة عدم اليقين هي السمة الغالبة على السوق، ما يضع السياسات الاقتصادية أمام اختبارات غير مسبوقة.
بحث محموم عن بدائل مؤقتة
في مواجهة هذا الوضع، سارعت الدول المتضررة إلى البحث عن مخارج سريعة، تراوحت بين تنويع مصادر التزود بالطاقة، واللجوء إلى إجراءات تقشفية قاسية مثل رفع أسعار الوقود وتقليص استهلاك الكهرباء، غير أن هذه الحلول، وإن بدت ضرورية على المدى القصير، تكشف في العمق هشاشة البنية الطاقية العالمية، خاصة لدى الدول التي تعتمد بشكل شبه كلي على الوقود الأحفوري والاستيراد الخارجي.
خريطة الهشاشة: من آسيا إلى إفريقيا
و في هذا السياق رسمت دراسة حديثة لمجلة “إنرجي وورلد” صورة أكثر دقة لهذه الهشاشة، عبر تقييم 75 دولة وفق مؤشر يمتد من صفر إلى مئة نقطة، حيث كشفت النتائج عن تصدر سنغافورة القائمة بمؤشر 85.2 نقطة، نتيجة اعتمادها شبه الكامل على الوقود الأحفوري وواردات الغاز بنسبة 100%، تليها تركمانستان وهونغ كونغ بمؤشرات تفوق 80 نقطة، في انعكاس واضح لضعف التنوع الطاقي وغياب البدائل.
المغرب في قلب دائرة الخطر
ضمن هذه الخريطة، يبرز المغرب في المرتبة الرابعة بمؤشر هشاشة بلغ 74.6 نقطة، وهو رقم يعكس اعتمادًا مرتفعًا على الوقود الأحفوري يصل إلى 90.1%، مقابل مساهمة محدودة للطاقات البديلة لا تتجاوز 3.7%، ورغم الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لتطوير الطاقة الشمسية والريحية، فإن واقع الاستيراد يظل مهيمنًا، خاصة مع بلوغ واردات الغاز الطبيعي نحو 95%، وهذا يجعل الاقتصاد الوطني عرضة مباشرة لتقلبات السوق العالمية، ويضاعف الضغط على الميزانية العمومية في ظل ارتفاع الأسعار.
أزمة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة
لا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود الأرقام والمؤشرات، بل تمتد إلى عمق التوازنات الاجتماعية والسياسية، حيث تتحول فواتير الطاقة المرتفعة إلى عنصر توتر داخلي، وتفرض على الحكومات خيارات صعبة بين دعم الأسعار أو ترك السوق يحدد كلفتها، وبينما تتصدر دول مثل بيلاروسيا وجنوب أفريقيا وإيران وقبرص قائمة الدول المهددة، تتضح حقيقة واحدة مفادها أن العالم لم يعد يملك رفاهية التأجيل في إعادة هيكلة منظومته الطاقية، لأن أي صدمة جديدة قد تكون أكثر قسوة وأطول أثرًا.





