الرئسيةدابا tvرأي/ كرونيكشواهد على التاريخ

فاطنة: سيرة سيدة حرة اسمها رشيد تصورها سيدة حرة اسمها هيلين+فيديو

بقلم المصطفى مفتاح

هذي البلاد تسكننا حين تقسو وحين تُربِّتُ برفقٍ على سنوات العمر من البُرْعُمِ الأول حتى الرصاص حتى منتصفِ الخريف، قربَ المحط. هذي البلاد تقسو وترأف حين تسكننا لكي نستكين فيها ولها ومعها، هذي البلاد.

صعبٌ جدًّا، أن أتحدث عن الشريط المشار إلى عنوانه في غرة هذا المقال، للوشائج المتعددة والمعقدة التي تجمعني بالبطلة والموضوع، الذي هو في الحقيقة، هو بطل الشريط بنفس قدر بطلته، فاطنتنا.

هذه البلاد ُ تسكننا حين تقسو وتظلمنا وحين تمنحنا نساؤها ورجالها ومدنها وقراها وكل المظلومات والمظلومين الذين واللواتي يبنونها في صمتٍ وتجور عليهم. من عناوين البلاد ما سماه البعض سنوات والرصاص والاستبداد.

من أسمائها أيضا، الاستغلال والاستحواذ على خيراتها بالتحكم والفساد. ومن معالمه اضطهاد النساء وتهميشهن.

وكل هذه الوجوه تجسدها قصة سيدة حرة إسمها فاطنة ولقبها رشيد، كتابٌ رائدٌ لأنه الأول الذي ذكر البلاد والمعنيين بأن سنوات الرصاص، تسلطت أيضا على النساء وبأن طرفاً أساسياً في “أدب السجون اليساري” كتبته نساء، بعد صدور مؤلف “فاطنة البيه”.

وكما في الأمس، تصدى المخرجُ حسن بنجلون لينقل للسينما، كتاب جواد امديدش “الغرفة السوداء” ، نقلتنا وبإبداع وحميمية في مسار صاحبة “امرأة إسمها رشيد”، السيدة الحرة هيلين هاردر Helen Harder، مخرجة الفيلم، التي تقمصت القصة فلم نعد نعرف أين عين الكاميرا وأين فاطنة.

مرآة تشخَصُ إلى مرآة وحياهٌ تأخذ مرةً وجهَ وصوتَ بَطلةِ القصة ومراتٍ تنبسِطُ وتهربُ وتؤوب وترقص في عيون المخرجةَ كي نرى أنَّ ما كُنّا نعرِفُهُ عن الرفيقة ليس تماما بكل البهاء والعمق والحزن والشجن والفرح والأمومة والأخوة والرفاقية الذي يستدعينا إليه شريط “هيلين”.

تقول أغنية الشريط “وا فين غادي بيا خويا فين غادي بيا !”، فنهمسُ في وجلٍ “وفين غاديات بينا، أختانا فاطنة وهيلين”!

ونستيقظ على صرير المفاتيح والمزلاج في السجن أو في مؤسسة “الأرشيف”.

رغم أنَّ الموظف هنا صريرٌ معدني فقط وهناك بذلة مألوفة أنيقة وشديدة الود والتضامن حدَ الاندماج وما يقتضيه الشرط والظرف من جدية في تيسير الأمور.

ينتمي الكتاب والشريط بعده فيما يمكن أن نسميه جنس الشهادة، حيث البطلة هي المتكلمة، بما يحمله من أبعاد الإدانة، لمن ساموها وساموا مغربيات أخريات ومغاربة آخرين من عذاب.

وهو بهذا البعد فِعْلٌ نضاليٌّ لا يستقيم إلا بالصمود في صف النضال ضد الحرمان من الحرية والكلام والاضطهاد العمري أو المرتبط بالجنس.

ليس بكاءً ولا استدراراً لتعاطف. بل استمراراً لالتزام أصيل وأصلي، قد تتجاوز فاطنة بعض أشكاله وعناوينه وأفكاره وشعاراته، وقد تُلَوِّنُهُ بقدر من التروي والاعتدال الحصيف، لكنها تَحْمِلُهُ في حلها وترحالها وفي تفاعلها مع نفسها وتجربتها أو مع الآخرين، سجناء، مسؤولين، مناضلين…. لا تخلو أية سيرة ذاتية من قدر من النرجسية، قد تكون طاغية، فينحاز السرد إلى ما أسمّيهِ “واقعية خرافية أو سحرية” بطولية وناصعة اليقين ممسكة بسراج الحقيقة!

وقد تكون، أنشودة للمظلومية. في الكتاب والفيلم معاً، أرى أن الدفع بالذات إلى مقدمة البوح لا يخلو من مخاطرة وألم! وهذه إحدى أهم عناصر جاذبيتهما وإثارتهما لاهتمامنا.

ندخل في حميمية قد تُشْعِرنا بالحرج لفضولنا، لكننا في الحقيقة، نصطدمُ بأن تلك الاستفاضة في حميمية فاطنة، تأسرنا في سؤال كبير ومؤلم ينتظر منا الجواب.

ماذا حدث لفاطنة-رشيد؟ وماذا حدث لرفيقاتها ورفاقها ن وكيف حدث؟ ماذا حدث في البلاد، هذه البلاد التي نسكنها لماماً وتسكننا تماما؟ هل طوينا الصفحة؟ وهل هي صفحةٌ قابلة للطي؟

سهلٌ أن تتكلم فاطنة باسم مجموعةٍ ما: الرفيقات، مناضلات ليسي شوقي، 23 مارس، التلميذات السرغينيات، المزابيات، “الأفاعي” أو “العقارب”، لكنها أكبر من ذلك، تتكلم بلسانها الفردي الأعزل، المضرج بالجراح والندوب التي تركتها في جسدها وقلبها وحياتها، هذي البلاد التي رعت الاضطهاد.

حين كانت الموضة النضالية تنتصر للحلقية، لم يكن يخطر في البال أن نتحدث عن “الصمود” حين نذكر قصة رشيد-فاطنة، ربما لآن لصفحة المخصصة للصمود في مجلدات الجليد العقائدي، لا تعرف تصريف تجربة مناضلة إسمها فاطنة.

تكلمت بلسانها الفردي الخاص، كامرأة بكامل شوك وزهور وفواكه وعلقم تجربتها وباحت عن شيء فظيع حدث في بلادنا في سبعينيات الحركة التلاميذية المغربية من القرن الماضي، عن الاغتصاب، فأماط اللثامَ عن نسياننا، أن القمع والممارسات الحاطة من الكرامة الإنسانية، فيها ممارسة خِسّيسةٌ، داعرةٌ، هي الاغتصاب كأسلوبٍ أقصى وأقسى للتنكيل، وبالدارج الفصيح الذي لا يحتمل البديع ولا الصورة الشعرية ولا السجع.

وعلى هذا المستوى تفضح فاطنة-رشيد الجذر الأساس للتعذيب، كما يتكلم عنه الجلاد ويمارسه على أجساد المعذبين: تلك السطوة-السلطة التي تجعله قادراً على فعل أي شيء يريده على ضحيته.

كل الممارسات الفظيعة والحاطة بالكرامة الإنسانية، هدفها أن تزرع في ذهن الضحية فزع استباحتها المطلقة لساديٍّ وتدفعه، حسب اعتقاد الزبانية وفَنِّيِيهِم والخبراء الآتين من الأجهزة الصديقة، إلى التزام الصمت على ما يتعرض أو تتعرض له.

ولهذا فالشهادة هي أول هزائم الجلاد لأنها تفضح خوفه ومن وراءه من الفضيحة وافتضاح طبيعته كجلاد مأمورٍ وطبيعة من وراءه كجلادٍ آمرٍ مأمورٍ.

ولَعَلَّ خوف الجلاد هذا، يفسر الإصرار على تعصيب عيني المعتقلة أو المعتقل، لأن المنطق يقول أن منطق التنكيل ليس وحده الهاجس. بل ويذكر العديد من الضحايا ردود فعل الجلادين حين تلتقي عيونهم مع عيون المعذبين.

فتتفوق الضحية على المُعَذِّبِ ويتضاعف التفوق لأن المُنْتَصِرَةَ على الخوف والتنكيل والاغتصاب والتعذيب، فتاةٌ حُرَّةٌ إسمها رشيد-فاطنة.

ومع ذلك، تبقى الشهادة عن التعذيب وفنونه قاسية ولربّما أقسى منَ التعذيبِ نفسه، لهذا فالحوار في الشريط وقبله الكتاب، انتصارٌ كبيرٌ على الخوفِ والوجلِ وصعوبةِ البَوْح.

بعدٌ أخر في الشريط نجحت “هيلين” و”فاطنة-رشيد ” في التعبير عنه في الشروط، ولو بشكل غير إرادي، هو أنه حوارٌ مع أقرب الناس، الأب الراحل، الأخوات، نجوى وبنتاها و لينة وتأثرها، ورفيقات ورفاق الجمعية وحلقة “أدوار” ADOUARTS وكذلك الناشرة ليلى وظل “فاطمة المرنيسي”، وللغائبات والغائبين حجج ربما.

كان الكتاب هو النطفةُ الأولى، ثم كان لزاماً على “هيلين” و”فاطنة” مخاض عشر سنين ، حتى يولد الشريط. طوبي لنا بالشريط والكتاب وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى