
تحول صباح الأربعاء بمصنع “رونو طنجة” إلى مشهد اجتماعي صاخب، بعدما انفجرت موجة احتجاجات واسعة داخل الوحدة الصناعية، شارك فيها مئات العمال المنخرطين نقابياً، رفضاً لما يتداول بشأن نية الشركة تسريح نحو “800 عامل” دفعة واحدة، وبين صفارات الاستهجان وأصوات منبهات السيارات، بدا المصنع الذي قُدم طويلاً كنموذج للنجاح الصناعي، وكأنه يعلن بصوت مرتفع أن خلف الأرقام اللامعة بشراً قد يدفعون الثمن.
اعتصام داخل خطوط الإنتاج.. عندما يتوقف الصمت
بحسب معطيات مهنية متطابقة، دخل العمال في اعتصام مفتوح داخل وحدة التركيب، تزامناً مع زيارة نائب المدير العام للمجموعة الفرنسية، في خطوة احتجاجية محسوبة أراد من خلالها المحتجون إيصال رسالة مباشرة: اليد التي تصنع السيارات ليست مجرد رقم في جدول الموارد البشرية.. حيث تحوّلت أروقة المصنع إلى ساحة غضب، و دوّت الصفارات وارتفعت الكلاكسونات في مشهد غير مألوف داخل منشأة بُنيت صورتها على الانضباط والدقة، فالاحتجاج هنا لم يكن فقط ضد قرار إداري محتمل، بل ضد شعور متزايد بأن العامل يظل أول من يُضحّى به كلما اهتزت الأسواق.
800 أسرة على حافة القلق
وفي ذات السياق، صرح فاعلون نقابيون، ان المفاوضات بين الإدارة وممثلي الأجراء، بلغت مرحلة الجمود.. فالشركة تقترح تسريح أكثر من 800 مستخدم مع تسوية مالية مرتبطة بالأقدمية، بينما يتمسك العمال بحقهم في الاستقرار المهني، وتحسين العرض المالي، وضمانات تشغيل حقيقية..
ففي بلد يبلغ فيه معدل البطالة نحو “13%” وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط خلال 2025، لا يُنظر إلى فقدان العمل كحادث مهني عابر، بل كزلزال أسري كامل، فكل منصب شغل داخل مصنع ضخم كهذا يساند في الواقع أسرة كاملة، بل أحياناً أكثر.
منافسة آسيوية تعيد رسم قواعد اللعبة
في خلفية هذا المشهد، تبرز تحولات عميقة في صناعة السيارات عالمياً، حيث تفرض الشركات الصينية والآسيوية حضورها بقوة، مستفيدة من تكاليف إنتاج منخفضة واستثمارات ضخمة في التكنولوجيا والابتكار، هذا الزحف التنافسي لم يترك مجالاً واسعاً للمناورة أمام الفاعلين التقليديين، ومنهم المصنع الفرنسي، الذي يجد نفسه مضطراً لإعادة ترتيب أوراقه، ولو على حساب اليد العاملة في وحداته الخارجية..
و اليوم يواجه المغرب، الذي راهن خلال العقدين الأخيرين على صناعة السيارات كقاطرة صناعية، اختباراً حقيقياً لصلابة نموذجه القائم على جذب الاستثمارات الأجنبية.
هل أخطأت السياسة الصناعية الطريق؟
الانتقادات لم تتأخر في التوجه نحو السياسات العمومية، حيث يرى فاعلون نقابيون واقتصاديون أن الاعتماد المفرط على الشركات متعددة الجنسيات، دون بناء قاعدة صناعية وطنية قوية، يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات قرارات خارجية لا تراعي دائماً التوازنات المحلية.. فرغم أن قطاع السيارات يمثل نحو 30% من الصادرات الصناعية للمغرب بأكثر من 140 مليار درهم سنوياً في السنوات الأخيرة، ويوفر آلاف مناصب الشغل، إلا أن محدودية القيمة المضافة المحلية وضعف الاستثمار في البحث والتطوير يطرحان تساؤلات حقيقية حول استدامة هذا النموذج.
بين ضرورات السوق وحقوق العمال
ما يحدث في طنجة يتجاوز حدود مصنع واحد، ليعكس معادلة معقدة بين منطق الربح الذي يحكم الشركات العالمية، وحق العمال في الاستقرار والكرامة المهنية.. وبين هذا وذاك، يجد العامل المغربي نفسه في موقع هش، رهينة لتوازنات اقتصادية دولية لا يملك التأثير فيها، وفي غياب رؤية صناعية متكاملة تعزز الابتكار المحلي وتؤهل الكفاءات الوطنية، يبدو أن أصوات “الكلاكسون” داخل المصنع ليست سوى صدى لخلل أعمق في بنية الاقتصاد، خلل قد يستمر في إنتاج نفس المشاهد، بأشكال مختلفة، ما لم تُعاد صياغة قواعد اللعبة.




