اقتصادالرئسية

المغرب بين تحديات التضخم والمديونية… توصيات صندوق النقد الدولي وخيارات الإصلاح

يواجه الاقتصاد المغربي تحديات متعددة تتعلق بضرورة خفض التضخم وتقليص المديونية، في ظل توصيات حديثة أصدرها صندوق النقد الدولي عقب انتهاء بعثته إلى المملكة، وقد دعا الصندوق إلى اعتماد سياسات نقدية ومالية أكثر استهدافًا لمكافحة التضخم، مع التركيز على تعزيز الإيرادات الضريبية من أجل ضبط العجز المالي وتحقيق استدامة الدين العام.

و شهد معدل التضخم في المغرب انخفاضًا ملموسًا، حيث تراجع إلى 0.9% في عام 2024 بعد أن كان قد بلغ 6.1% في 2023، وذلك نتيجة لانخفاض أسعار السلع المستوردة واستقرار أسواق المواد الغذائية، ومن المتوقع أن يسجل التضخم 2.4% خلال العام الجاري، وهو مستوى يرى صندوق النقد الدولي أنه يتطلب من بنك المغرب الاستعداد لاعتماد إطار يستهدف التضخم بشكل أكثر دقة، مما يسهم في ترسيخ استقرار الأسعار وتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني.

و على المستوى المالي، شدد الصندوق على أهمية توسيع قاعدة الضرائب لمواصلة الإصلاحات المالية وتقليل الاعتماد على الاقتراض، وقد حققت الإصلاحات الضريبية نتائج إيجابية تمثلت في عوائد فاقت التوقعات، مما ساعد في خفض العجز المالي إلى 4.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2024، ومع اقتراب المغرب من إعداد ميزانية 2025، أوصى صندوق النقد باستخدام الإيرادات الإضافية لتسريع وتيرة خفض الدين العام وإعادته إلى المستويات التي كانت سائدة قبل جائحة كورونا، مما يعزز الاستقرار المالي ويحد من الضغوط على الإنفاق الحكومي.

من ناحية أخرى، تتجه التوقعات الاقتصادية إلى تسجيل معدل نمو يصل إلى 3.9% في 2025، مقارنة بـ 3.2% في العام السابق، ويعود هذا التحسن بشكل أساسي إلى انتعاش القطاع الزراعي بعد فترة من الجفاف، إضافة إلى استمرار القطاعات غير الزراعية في التوسع بدعم من الطلب المحلي القوي.

وتتماشى هذه التوقعات مع ما أعلنت عنه المندوبية السامية للتخطيط، التي قدرت معدل النمو المتوقع عند 3.8% لهذا العام، بينما تبنّى مشروع الموازنة العامة لسنة 2025 سيناريو أكثر تفاؤلًا بنمو يصل إلى 4.6% مع تضخم مستهدف عند 2%.

على صعيد المالية العامة، أشارت وزارة الاقتصاد والمالية إلى انخفاض عجز الميزانية إلى 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مقارنة بـ 4.4% في العام السابق، وذلك بفضل ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 15.2%، و انعكس هذا التحسن في تقلص العجز إلى 64.4 مليار درهم، مقارنة بـ 75 مليار درهم في السنة الماضية، وهو ما يعكس نجاح جهود الحكومة في تعزيز الموارد المالية للدولة حسب ما صرحت به وزارة الاقتصاد و المالية .

رغم هذه المؤشرات التي تبدو انها إيجابية، لا تزال البطالة تشكل تحديًا رئيسيًا للحكومة، حيث ارتفع معدلها إلى 13.3% خلال 2024، مقارنة بـ 13% في 2023، في ظل استمرار فقدان الوظائف في القطاع الزراعي نتيجة موجات الجفاف.

في هذا السياق، أوصى صندوق النقد الدولي بضرورة تبني سياسات تستهدف دعم العمالة المتضررة من تراجع الأنشطة الزراعية، مع تعزيز برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني لدمج هذه الفئات في قطاعات أخرى أكثر استقرارًا.

ووفقًا لنتائج الإحصاء العام للسكان لعام 2024، فإن معدل البطالة شهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، حيث انتقل من 16.2% في 2014 إلى 21.3% في 2024، مع تفاوت ملحوظ بين الوسطين الحضري والقروي، إذ بلغ 21.2% في المدن مقابل 21.4% في الأرياف، ويشير هذا الارتفاع إلى ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر شمولًا لمعالجة اختلالات سوق العمل وتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولية.

في ظل هذه المعطيات، تبدو التحديات الاقتصادية في المغرب معقدة، ولكن الإصلاحات الجارية، إذا ما تم تنفيذها بفعالية، و إذا استقيظ الضمير الوطني في أعضاء الحكومة و كانت هناك إرادة حقيقية للإصلاح فقد تضع البلاد على مسار أكثر استقرارًا من حيث خفض التضخم،و تقليص المديونية، وتحقيق نمو اقتصادي ينعكس إيجابيًا على مختلف شرائح المجتمع.

يبقى نجاح هذه الجهود رهينًا بمدى قدرة الحكومة على الموازنة بين تحقيق الاستدامة المالية من جهة، وتعزيز فرص التشغيل، من خلال رفع بشكل ملموس الناتج الداخلي الخام وليس عبر مشاريع التصدق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى