اقتصادالرئسية

تحويلات مغاربة العالم تحت المجهر: الرهانات والتحديات أمام القطاع المصرفي المغربي

تشكل ودائع المغاربة المقيمين بالخارج أحد الأعمدة الأساسية للقطاع المصرفي المغربي، حيث تمثل 20% من إجمالي الودائع البنكية، وهي نسبة تعكس الدور المحوري الذي تلعبه تحويلات الجالية المغربية في دعم الاستقرار المالي للمملكة.

جاء هذا المعطى على لسان والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، خلال آخر مؤتمر صحفي عقده بمناسبة الاجتماع الفصلي لمجلس البنك، حيث سلط الضوء على أهمية هذه الموارد المالية وتأثيرها المباشر على التوازن المالي للبلاد.

أو كد الجواهري أن هذه الودائع ليست مجرد أرقام، بل تمثل عنصراً استراتيجياً في المنظومة المصرفية المغربية، مما يفرض ضرورة متابعتها بشكل دقيق لضمان استمرار تدفقها، وأشار إلى أن نسبة 20% ليست بالهينة، بل تشكل رافعة اقتصادية تستدعي التعامل معها بجدية كبيرة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها بعض السياسات المالية الأوروبية.

القلق الذي أبداه والي بنك المغرب يرتبط بالمخاوف المتزايدة من القيود المنتظرة التي قد تفرضها الدول الأوروبية على تحويلات المغاربة المقيمين بها، فالاتحاد الأوروبي يدرس إجراءات تهدف إلى إبقاء أموال الجاليات داخل المنظومة المالية الأوروبية، مما قد يؤثر سلباً على التدفقات المالية نحو المغرب.

و في هذا السياق، شدد الجواهري على أن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذه التحديات، بل تعمل بجدية على استكشاف حلول بديلة تضمن استمرار تدفق هذه الموارد الحيوية.

من بين البدائل التي يجري العمل عليها، أشار الجواهري إلى أن المغرب يدرس إمكانيات الاستفادة من الحلول التكنولوجية الحديثة لتسهيل عمليات التحويل والتغلب على العقبات التي قد تفرضها الدول الأوروبية، فالتكنولوجيا المالية (Fintech) تمثل فرصة مهمة لتجاوز العراقيل التنظيمية، وتعزيز استقلالية المغرب في إدارة تدفقات تحويلات الجالية.

في هذا الإطار، أعلن بنك المغرب عن تعبئة شاملة لمواجهة هذا التحدي، حيث تم تشكيل فريق عمل يضم ممثلين عن وزارة الخارجية، ووزارة المالية، والمؤسسات المصرفية المغربية، بهدف التفاوض مع الجانب الأوروبي والسعي إلى إيجاد حلول تضمن استمرار تدفق التحويلات دون قيود مجحفة، وأوضح الجواهري أن هذا الفريق أجرى زيارات متكررة إلى بلجيكا، وعقد اجتماعات مع مختلف الجهات الأوروبية المعنية، إلا أن الغموض الذي يكتنف القرارات التي اتخذها البرلمان الأوروبي يظل مصدر قلق كبير.

تداعيات هذه القيود المحتملة قد تكون واسعة النطاق، ليس فقط على البنوك المغربية، بل على الاقتصاد الوطني ككل، نظراً للدور الذي تلعبه تحويلات الجالية في تمويل المشاريع، ودعم القدرة الشرائية للأسر، والمساهمة في استقرار ميزان الأداءات، لذلك، يظل الرهان اليوم منصباً على إيجاد حلول مرنة تضمن استمرارية هذه التدفقات المالية دون أن تتأثر بالتحولات التي يعرفها المشهد المصرفي الدولي.

المغرب، إذن، أمام تحدٍ استراتيجي يتطلب دبلوماسية مالية نشطة، وابتكار حلول جديدة تواكب التطورات التقنية والاقتصادية العالمية، فالحفاظ على تحويلات مغاربة العالم لا يمثل فقط قضية مصرفية، بل هو رهان سيادي يؤثر على استقرار الاقتصاد الوطني ومتانة النظام المالي للبلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى